كيف هانت عليك يا مصر غزة؟!

كيف هانت عليك يا مصر غزة؟!

د. محمد عباس عودة

((نقلاً عن جريدة الفتح المصرية بدون الحواشي))

هل كان لابد أن تحرقني النار كي أستنقذ نفسي من عفن الحداثيين ودنس جل العلمانيين وإجرام الاشتراكيين الثوريين وخيانة جل كفاية وكل 6 أبريل.

هل كان لابد أن أتجرع كل هذا الألم كي أدرك أن هذا الهمج الهامج المجرم إنما يثير كل هذه الضوضاء كي يصرفنا عن مكامن الخطر.. كي يسحبنا من الثغور إلى الجحور وإلى القبور..

هل كان لابد أن أذهب لبعيد كي أرى الصورة أوضح.. مع أنها كانت واضحة حتى دون أن أذهب بعيدا..
***

في غزة رأيت الخطر ورأيت الجريمة ورأيت العملاء بأوضح ما يكون..

رأيت أمَّا تمد يدها لتخنق الحبل السري بينها وبين جنينها..

وهناك قلت لنفسي إن الأب الذي يشك في بنوة ابنه يلجأ إلى اختبار الـ دي إن إيه (D.N.A) كي يثبت أو ينفي..
وقلت أيضا إنه يجب علينا أن نجري لكل الأحزاب والتيارات في مصر اختبارا يشبه الـ دي إن إيه يقوم بنفس الغرض حتى يكشف إن كانت هذه الحركات بنات سفاح أم بنات مصر.. وبدلا من الــ دي إن إيه سنجري اختبار فلسطين..فما كانت فلسطين قضيتها الأولي فهى ابنة بطنك يا مصر.. ومن كانت سلبية لفلسطين فهى ابنة سفاح..

ابنة سفاح يا مصر مهما رفعت أعلامك وغنت أناشيدك وزعمت انتماءها لك.
***

في طريقنا إلى غزة قطع البدو طريقنا..

قلت لنفسي إن الطريق أحد شرايين هيبة الدولة.. كلما قطع طريق نزفت الدولة بعض هيبتها..

لا أنكر تساؤلاتي الغاضبة… وهواجسي وشكوكي..
***

على مشارف فلسطين – غزة- كان ثمة مخزون حبيس من الدموع لا يظهر له أثر.. كان ينزف للداخل.. للقلب..
كنا أكثر من خمسين من بلاد عربية عديدة.. لكن الكثرة الغالبة كانت من مصر ثم من السودان ثم من الأردن.. وجاء من الولايات المتحدة مصري واحد ومن بريطانيا فلسطينية.. كنا مدعوين تحت لافتة عمداء البحث في العالم العربي لمناقشة الأبحاث العلمية. كنا نشك في أن الهدف المعلن هو الهدف الوحيد. وكنا بلا استثناء نتوجس نوعا من الخطورة.. من موت جعلته إسرائيل المجرمة المتوحشة يبدو كما لو كان عشوائيا.. يأتي في أي لحظة وبلا سبب في غارات روتينية لا تنقطع .. وهو الأمر الذي حدث فعلا.. فقد استقبلتنا إسرائيل بسلسلة من الغارات.. لكن العظيم حقا.. أن كل واحد منا كان مستعدا أن يموت مع إخوته.. الفلسطينيين.. وبلا تردد..
***

كان معظم المدعويين بل كلهم على قمم أكاديمية وجامعية في فروعهم في مختلف فروع المعرفة.. وكان معظمهم فوق الستين.. ومع ذلك عوملنا في الجزء المصري من معبر رفح كأسوأ ما يكون. استبد بنا الغضب. تساءل الكثيرون منا: ما هو الفرق إذن بين عهود أمن الدولة الفاجرة وعهد الثورة ؟! وكانت الإجابة الصادمة أن الضابطين الكبيرين اللذين كانا يديران أمن الدولة هما بذواتيهما من يديران الأمن الوطني.. وهما المسئولان الآن كما كانا قبل الثورة عن المعبر..

سأل البعض: هل ذهبوا بجوازات سفرنا إلى المخابرات كما يزعمون.. أم أنهم يذهبون بها لفحصها في الجانب الإسرائيلي؟

استبد بنا الغضب وسط تجاهل تام من ضباط المعبر..

سمعنا الكثير.. فمن قائل إن إسرائيل هي المشرف الحقيقي على الموقع وإن المصريين أدوات تنفيذ فقط.. ومن قائل إن الأمر لا يخلو من الرشاوى لتسهيل المرور والابتزاز لمنعه.. ومن قائل بل هو الروتين وما يحدث هنا يحدث في كل المؤسسات في بلادنا.. ومن قائل أن التباطؤ هنا متعمد لتنفير الناس وتشديد الحصار.

وأثناء جلوسنا الطويل شاهدنا الامتهان الذي يتعرض له كل من يعبر المعبر سواء كان فلسطينيا أو مصريا. كان الاستثناء الوحيد محجوزا للأمريكيين.

كنا نرقب ذلك كله وعندما علم المحيطون هويتنا أخذوا يروون لنا الأعاجيب عن تفنن ضباط المعبر في إذلالهم..
قالوا لنا أن المصريين ينافسون الإسرائيليين في الإساءة للفلسطينيين.. وربما لو – لاقدر الله – انتصر الليبراليون في مصر لفعلوا كما يفعل الإسرائيليون في اختبار كشف الإيمان فيطلبون من الشباب أن يشتموا الرب والدين ليتأكدوا من كونهم ليسوا إرهابيين..

قيل لنا أيضا إن إعلام الشيطان يحركه شيطان مركزي له فروعه في كل العالم تتبع نفس المنهج بنشر الأخبار الكاذبة وترويجها ومنع تكذيبها كما حدث عندما قتل رجال دحلان شابا (فتحاويا.. لكنه كان ملتحيا) من عائلة أبو قنيص حيث أُلقي به من فوق خمسة عشر طابقاً، ولما تبين للقتلة أنه من أبناء فتح اتهموا حماس به، وعرفت عائلته بحقيقة الأمر، فعلقت أعلام حماس في بيت العزاء وطلبت منها أن تنتقم من القتلة..
***

بعد أربع أو خمس ساعات ثار البعض ثورة عارمة وطالب باسترداد جواز سفره والعودة إلى مصر..
كانت الأدوية في الحقائب التي عبرت إلى الجزء الفلسطيني بدوننا.. وكاد مرضى السكر أن يقعوا فريسة الغيبوبة السكرية.

ارتفع الصياح والغضب مقابَلاً بالتجاهل التام..

ثار أحدنا عندما وجد الضباط ينادون بعضهم بلقب البيه والباشا وينادون على قمم أكاديمية بأسمائهم المجردة.
***

ثارت فتنة بين زميلين عند الصلاة.. فقد أصر أحدهما على ضرورة الوضوء وأصر الآخر على جواز التيمم نظرا للقذارة المتناهية لدورة المياه (لست أدري إن كانت إدارة الصحيفة ستسمح بنشر الصور المؤذية التي التقطها صحافي الفتح النابه الأستاذ محمود القاعود حيث كان الصحافي المصري الوحيد الذي غطى المؤتمر..)..
انفعل أحد الزملاء وضابط أمن يسأله لماذا تذهبون إلى غزة.. أجاب الزميل: كي نتزوج!..
***

استنفدت المقابلة المتعجرفة لجهاز الأمن – غير الوطني- كل المشاعر الجياشة..

حل محلها الغضب والإحساس بضرورة الرد.

انتقلنا في النهاية إلى الجانب الفلسطيني..

بدا الانتقال مفاجئا وصادما..

كالانتقال من منشية ناصر حيث حظائر الخنازير إلى شاطئ النيل الحنون..

بدا طوفان الفرح العارم لوصولنا والترحاب الشديد بنا صادما.. وأليما..

كنا كمعتقل خرج لتوه من غرفة التعذيب وينتظر تعذيبا آخر ليفاجأ بحفل تكريم غير متوقع..

هذه اللحظة تكسر النفس أكثر من استمرار التعذيب..

كان هناك عدد هائل من كبار المسئولين في انتظارنا.. ظلوا عالقين في الجانب الفلسطيني للمعبر طول فترة احتجازنا ساعات وراء ساعات.. تلقونا بالأحضان.. وباقة ورد لكل واحد منا.. ومشروب .. وشيء يؤكل..
راحوا يلقون كلمات الترحيب بنا.. في حماس وحميمية لا تتصور..

بدا أنهم يحاولون استلال الغضب من داخلنا.. كانوا يدركون أننا مجروحون بشدة غاضبون بشدة.. وكانوا يحاولون مداواة الجرح.. الجرح الذي لم يكونوا هم مسئولين عنه بأي حال من الأحوال.. بل كانوا هم قبلنا أول ضحاياه..
على العكس.. نحن كمصريين مسئولون ضمنا عن تصرفات بلادنا.. ومهما كان اعتراضنا أو عدم مسئوليتنا المباشرة عن موقف بلادنا فإن المسئولية في أعناقنا.. مسئولية عارنا الذي يبدأ من معبر رفح..
***

حكيت لمن حولي عن صديق كان يشكو من جفوة ابنه الوحيد وجحوده.. ورحت أنصحه بضرورة تبسطه معه ومجاراته في اهتماماته.. وفاجأني الأب المكلوم بأقسى ما يمكن أن يقوله أب عن ابنه:
– تطلب مني أن أصادقه ولا أخيفه.. مره هو بذلك.. لأنني أنا الذي أخاف منه.. لم أعد أنتظر منه نفعا أو سعادة.. كل ما أتمناه أن أتجنب شره..

ثم أردف قائلا:
– إنني أتمنى اليوم الذي يبتسم فيه في وجهي.. انتظر تلك الابتسامة كثيرا لأنها تعطيني سعادة لا توصف برغم كل ما يفعله بي.. وقلما يفعل.. قلما يبتسم في وجهي.. أما نظرة الرضا فلا يعطينيها أبدا.. دائما أنا ملوم ومذنب ومخطئ ولا أحسن التصرف وأنني –لا حماقاته- سبب ما يلاقيه….
سألني واحد منهم:
– ما الذي ذكرك بهذه الحكاية.. وماذا تقصد؟!
وقلت له:
– أقصد أن القوم هنا يعاملوننا كما كان ذلك الأب –أو الأم- يعامل ابنه الجاحد العاق غير البار.. إنه برغم كل ذلك لا يفقد عاطفته له. يظل يحبه. يتمنى رضاءه.. حتى لو فقد الأمل في أي عون أو سند منه.
وهتف واحد منا:
– كلما ازداد إكرامهم لنا, عظمت جريمتنا في حقهم.
***

لم تستغرق إجراءات الجانب الفلسطيني من المعبر أي وقت.
من المعبر للفندق ثلاثة أرباع الساعة..

عندما استقللت الحافلة توجهت إلى المقعد الخلفي.. قال لي الجالس فيه إن المقعد محجوز للصحافة.. بدت ملامحه على خلاف الآخرين غير مريحة.. جلست في المقعد الذي يليه.. تابعت حديثه مع زميليه.. شيء من الاستهتار والنزق والطيش والفجاجة والعجرفة.. فجأة سألني:
– لماذا فعلتم بمبارك ذلك.. بعد كل ما فعله لكم.. بعد الضربة الجوية وتحقيق الاستقرار..و.. و.. و..
قلت له:
– لكنه كان لصا وعميلا وخائنا مثل محمود عباس..
واندفع الرجل يدافع عن محمود عباس بحرارة أذهلتني فأردف:
– أنا فتحاوي ولست حمساويًّا.. أنا فتحاوي ليبرالي مسلم.. الإسلاميون الذين نجحوا في مصر سيخربون بيوتكم.. حماس كلهم لصوص..

سألته ساخرا:
– ودحلان.. هل هو أمين أيضا كمحمود عباس..
ورد بتحد:
– لو رشح نفسه في غزة لاكتسح حماس..


سألت نفسي: هذه الرائحة العطنة أين شممتها قبل ذلك.. وتذكرت على الفور: في كتابات إبراهيم عيسى.. في حلقات علاء الأسواني.. في مناظرات أسامة الغزالي حرب وتابعيْه طارق وشادي (الغزالي حرب).. في عمرو حمزاوي.. في ذلك الوقح الذي كان إسلاميا ثم أصبح ساويرسيا فدخل مجلس الشعب..

أسعفتني مقالة رائعة للأستاذ الكبير محمد يوسف عدس يصف فيها إبراهيم عيسى-كنموذج من النخبة على كل هؤلاء وأولئك – بقوله:
لقد أحسنتُ الظن بإبراهيم عيسى وتعاطفت معه فترة من الزمن، فيما خيّل إليَّ أنه يقف مواقف شجاعة من النظام الاستبدادى البائد.. ولكنه خذلنى بعد الثورة فانصرفت عنه لأنه مسح مصداقيته عندي بما تورّط فيه من صراعات.. اتسمت بالانتهازية واللهاث خلف الثروة دون اعتبار لمصادرها.. سقط في نظري إبراهيم عيسى ككاتب شجاع وبرزت لي جوانب أخرى من شخصيته متمثّلة في مواقفه.. وفى مقالاته التي لا تتحرى الحقيقة.. بل تروّج لأفكار مضللة وتثير شبهات غير ممحصة عن التيارات الإسلامية.. وبالأخص عن الإخوان المسلمين..

وواصل الأستاذ الكبير قوله عن إبراهيم عيسى ولجوئه إلى شيطنة المجلس العسكري باعتباره السبب في كل ما أصاب مصر من كوارث ولم ينجح إلا في السماح للأحزاب الدينية بالسيطرة على البرلمان. وهو الذي فرض نُوّاب التيارات الإسلامية على البرلمان ولم ينتخبهم الشعب.. أو بالأحرى كان يريد أن يقف المجلس من البداية ضد ترشيحاتهم ويقوم بعزلهم واستئصالهم، كما كان يفعل نظام مبارك.. يشيطن التيارات الإسلامية ويخلع عليها ثوب الخيانة الوطنية وخيانة الثورة وخدمة الاستبداد..

ولكنني غيور على الحقيقة.. غيور على الحق في أي جانب كان.. وإبراهيم عيسى قد أصبح واحدا من هؤلاء الاستئصاليين المفترين، الذين يحاولون التمترس خلف شعارات الثورة والحرية والديمقراطية، وهو أبعد ما يكون عنها جميعا فقد اختار لنفسه أن يصطفّ مع أعدائها، فكرهت انتهازيته..أنا لست ضد نقد الإخوان فيما يخطئون فيه.. فهم بشر من البشر وأنا أول من انتقدهم.. ولكنني ضد الكذب والافتراء وتضليل القراء بمقالات سطحية مثل مقالات إبراهيم عيسى.. ما الفرق بين ما يفتريه إبراهيم عيسى وبين افتراءات محامى مبارك في المحكمة، حيث زعم أن الإخوان كانوا ينسّقون مع مباحث أمن الدولة يوم ٢٨يناير ٢٠١١ ضد الثورة..؟!
***

كان هذا الفتحاوي الليبرالي من نوع إبراهيم عيسى..ولولا الحسابات لأعلن إبراهيم عيسى ومن على شاكلته أنهم يفضلون عودة مبارك وأحمد عز وفتحي سرور عن حكم الإسلام والإسلاميين..
تعمدت أن أكون هادئا جدا معه كي لا يلجأ للشجار لقطع الحوار.. انكشفت سطحيته وجهله أمام زملائه.
***

في فندق الكومودور – وهو من ذوات النجوم الخمس- كانوا قد أعدوا لنا عشاء فاخرا.. وكان الفتحاوي الليبرالي (المسلم؟!) بيننا لكنه فوجئ برفض أفكاره.. قام منفعلا فجذب سلك الكاميرا نصف ما على المنضدة..

في اليوم التالي جاءني أحد رفيقيه معتذرا عن فجاجة زميله قائلا إن مستواه كصحافي متدٍن جدا لكنه ترقى نظرا لتأييده لمحمود عباس. ثم صارحني:
– لم يكن المقعد محجوزا كما أخبرك لكنها الرغبة في التسلط..
قلت لنفسي ساخرا وحزينا:
– رحم الله إسماعيل ياسين.. ليبرالي مسلم في مصر.. ليبرالي مسلم في ليبيا.. ليبرالي مسلم في السعودية.. ليبرالي مسلم في السودان.. كلهم “الخالق الناطق”!!
***

في اليوم التالي.. والأيام التالية كان انبهارنا يزداد..

المجال لا يتسع هنا لما رأينا..

لكن غزة الصغيرة تمددت حتى أصبحت أكبر من العالم الإسلامي كله..

والعالم الإسلامي تقزم حتى أصبح أصغر من غزة..

رأينا في ملامحهم النبل والكبرياء وعتابا لا يبوح أبدا ونقدا لا ينطق أبدا وشبح إدانة يجاهدون كي لا تبين..
رأينا العزة رغم الحصار..

رأينا الإيثار والتضحية.. رأينا أطفال الشوارع كبارا.. والمسئولين كالأولياء.. رأينا الإتقان والمثابرة والجهد.. رأينا مجهوداتهم في الزراعة والصناعة والتجارة المحاصرة وصيد السمك المحصور بمائتي متر وإلا أطلق الرصاص عليهم..
***

تذكرت الفج الفظ غليظ القلب الذي هددهم بكسر أقدامهم إذا ما لجأوا إلى مصر ليشتروا بأموالهم منها ما يسد رمقهم.. أخزاه الله.. اللهم نكل به كما نكل بنا وبهم..

كان الكثيرون لا يتمالكون أنفسهم من البكاء.. أما الدكتور عاصم نبوي فقد كان ينتحب..
***

في مسجد النصر – وهو مسجد عريق يعود إلى العصر الأيوبي كنت ألقي كلمة..

قلت لهم إنني لم أقف في حياتي موقفا أخزى لي من هذا ولا أخوف من هذا..لقد واجهت المئات والآلاف بل والملايين في ميدان التحرير فلم يتعثر لساني كما يتعثر أمامهم وما تأبى بياني كما تأبى إزاءهم.. ذلك أنني في كل المرات السابقة كنت أحاضر أو أحاور أو أهاجم أو أندد أو أنتقد أو حتى أناقش وأتشاجر.. أما في هذه المرة فأنا قادم لأعتذر نيابة عن مليار ونصف مليار قد خذلوكم وخانوكم يا أهل غزة.. فقضية فلسطين ليست قضيتكم وحدكم بل قضية العالم الإسلامي كله.. خانوكم وخذلوكم وتركوكم تدافعون وحدكم نيابة عنا جميعا وليتهم اكتفوا بذلك بل بمنتهى الخسة حاصروكم.. فلا تسامحوهم أبدا ولا تقبلوا اعتذاري أبدا.. وقلت لهم يا سويداء القلب يا فلذة الكبد يا مهجة الروح لقد خدعوكم فقسموا العالم الإسلامي إلى فلسطين ومصر والعراق والحجاز..أفغانستان والمغرب و..و.. تقسيم سايكس بيكو.. تقسيم بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإسرائيل.. كانوا كمن يقسم الجسد البشري إلى أعضاء منفصلة.. كبد وقلب ومخ وأطراف.. قلت لهم إن هذا تقسيم قصاب يذبح ذبيحته ويبيعها.. ومن قسم العالم الإسلامي كذلك هو الآخر قصاب..

وظللت أتكلم وأتكلم بين طوفان الدموع من الحاضرين..

كان آخر من أتوقع أن يبكي وينتحب هو الأستاذ محمود القاعود.. شعلة النشاط والذكاء والأسلوب المبهر التي لا تخبو.. القدرة الفذة على تكوين علاقات مع الآخرين وبعد ساعات يبدو كما لو كان يعرفهم منذ عشرين عاما.. عندما رأيت بكاءه أدركت كم كان الحزن طاغيا..
***

كنت أشعر بالخزي والعار مما فعلناه بأهل غزة..

وكنت أشعر بالانبهار والدكتور إسماعيل هنية يستقبلنا في بيته.. بيت أقسم لكم أن أصغر عمدة في مصر لايرضى أن يسكن فيه..

كان ابنه همام إلى جواري..

جاءت ابنته-حفيدة إسماعيل هنية- .. في الخامسة من عمرها تقريبا.. نظرت بلهفة إلى علبة من العصير..

تسارع الكثيرون كي يعطوها لها.. حدجها أبوها بنظرة تحذير فتراجعت في إحساس بارتكاب خطأ جسيم..

وانتحب الدكتور عاصم من جديد..

قلت لنفسي لو أنها شربتها لأرغمها أبوها وجدها على تقيؤها..

تذكرت حبيبي وسيدي ومولاي عمر بن الخطاب رضي الله عنه..
***

يخزيني يا قراء أن أصف لكم تداعيات حصار مصر لغزة..

يخزيني أن أطلب التوقف عن أشياء كان المفروض ألا تحدث أصلا.. أو فعل أشياء كان يجب أن تحدث دون طلب..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا بوقف الحصار على غزة بصورة نهائية وفتح المعابر بصورة دائمة..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا أن نطلب منك تزويد غزة بما يغنيها عن الذل لإسرائيل..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا أن أطلب منك أن تمد غزة بالغاز كما تمد به إسرائيل..

بالثمن يا مجلس الشعب.. وليس بالسعر البخس الذي نبيعه إسرائيل به..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا بمد غزة بالسولار والوقود كي لا تضغط إسرائيل به..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا أن أطلب منك إلغاء قوائم الممنوعين من الدخول والخروج فهي وصمة عار ستطاردنا إلى أبد الآبدين..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا بأن تعيد المنطقة الحرة كما كانت قبل هزيمة 67.. وكنا نحن المسئولين..

يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا أن أطلب منك أن يكون الجنيه المصري وليس الشيكل الإسرائيلي هو العملة المتداولة..

وأخيرا وليس آخرا.. يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي تمثلنا بأن ترسل البعثات إلى غزة.. كي نتعلم منهم الإتقان والصبر والطهر والصمود والعزة..

يا مجلس الشعب الذي يمثلنا ..

الحديث لا ينتهي.. ولا الدموع..

لكنني قبل أن أنتهي.. يخزيني أن أطالبك يا مجلس الشعب الذي يمثلنا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق لما ينال إخوتنا على المعبر.. وبسحب كل ضباط أمن الدولة المسئولين عن المعبر.. ووضع آخرين مكانهم.. شريطة أن يكونوا بشرا.. وليسوا وحوشا مفترسة..

Leave a Reply