قراءة إستراتيجية للمشهد السوري

قراءة إستراتيجية للمشهد السوري

((نقلاً عن إخوان أون لاين))

بقلم: د. إبراهيم الديب

– النظام السوري وبامتياز يمثل النموذج المثالي للدولة الوظيفية لخدمة أهداف دول وقوى خارجية على حساب الشعب السوري ومصالح الأمة العربية والإسلامية.

 

– النموذج السوري أزمة عالمية بمفتاح شعبي محلي الصنع.

 

– سوريا.. البوابة الحقيقية لأمن الخليج والأمة العربية.

 

المشهد السوري بالغ التعقيد كما هو بالغ الألم والمرارة في حلق كل إنسان حر، كما هو بالغ الهمّ والغمّ لكل مسلم وعربي يستحضر موقف المساءلة يوم القيامة بين يدي رب العالمين عما قدم تجاه ما يحدث لإخوانه وأخواته وأطفاله في سوريا الحبيبة.

 

ولفهم أي مشهد سياسي وخاصة المشهد السوري لا بد أن تبدأ قراءته من أعلى لأسفل، بدايةً من المشهد العالمي ووصولاً إلى المشهد المحلى عبر البحث في مرتكزات وأولويات كل دولة، وهذا ما سأحاول رسمه وتفصيله بإيجاز ومباشرة ولغة بسيطة يفهمها الجميع.

 

– يعيش العالم الآن حالة تعدد أقطاب سياسية يحاول كلٌّ منها المحافظة على مكاسبه وحمايتها وتعظيمها إن أمكن له ذلك، تترأس هذه الأقطاب أمريكا، ثم الاتحاد الأوروبي فالصين وروسيا، وأقطاب أخرى تحاول الصعود وبسط نفوذها السياسي والاقتصادي إقليميًّا كإيران وتركيا.

 

– في ظل هذه القطبية المتعددة المتنوعة تنتمي سوريا بنظامها الاستبدادي الفاسد الضعيف إلى عدد غير قليل من هذه الأقطاب؛ بمعنى أنها تحقق العديد والمتنوع من الأدوار الوظيفية المتناقضة أحيانًا فيما بينها، ولكنها تجتمع كلها لتحقيق هدف واحد؛ هو المحافظة على بقاء هذا النظام الفاسد العميل واستمراره لخدمة المصالح الإستراتيجية لكل هذه الأقطاب.

 

ولكي نفهم الأمور ببساطة تعالوا لنجيب عن هذه الأسئلة:

* ماذا تمثل سوريا للكيان الصهيوني وأمريكا؟

صمام الأمن والأمان للكيان الصهيوني وتأمين حدوده الشمالية والشمالية الشرقية ضد أي اعتداء أو تدخل، كما أنها تقدم للكيان 38% من احتياجاتها من المياه عبر هضبة الجولان المحتلة.

 

إستراتيجيًّا وجود نظام استبدادي فاسد وعميل على رأس سوريا يضمن لأمريكا والكيان وأْد أي فرص للتنمية والنهوض والقوة السورية على المدى المتوسط والطويل؛ حيث ستظل سوريا- بالرغم من إمكانياتها الضخمة وفرصها الكبيرة في التنمية والنهوض- دولةً هشّةً ضعيفةً، تكتفي بممارسة دور الشرطي العميل على الحدود الشمالية لأطول فترة ممكنة.

 

* ماذا تمثل سوريا لإيران؟

الحليف الإستراتيجي لها في مشروعها السياسي للتمدد والهيمنة على منطقة الخليج والمنطقة العربية وإفريقيا، كما أنها بوابتها البرية إلى العالم العربي، ومفتاحها ونافذتها الوحيدة على البحر الأبيض المتوسط، وذراعها الممتدة إلى الداخل اللبناني، وإلى الحدود الصهيونية لضمان القدرة المستمرة على تهديد أمن الصهاينة واستثمارها في تعظيم مكاسبها السياسية إقليميًّا ودوليًّا.

 

* ماذا تمثل سوريا لأوروبا وروسيا والصين؟

الحليف الإستراتيجي لها للحدِّ من الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية بأسرها وإطلاق يدها في إدارة المنطقة لتعظيم مكاسبها الإستراتيجية؛ حيث تمثل سوريا وإيران وحركات المقاومة بالمنطقة حلفًا ضمنيًّا وشوكة كبيرة في خاصرة المشروع الأمريكي بالمنطقة.

 

في هذا السياق العالمي يمكننا فهم ما يجرى في سوريا التي تعيش تحت حالة من التآمر الدولي مع نظام الأسد العميل للمحافظة على مصالحها المذكورة، ومطالبتها له بسرعة حسم الموقف خلال شهرين على الأقل مع توفير جميع أسلحة البطش العسكري، ومؤتمرات التمويه السياسي والإعلامي المختلفة.

 

كما تعيش حالة تخاذل عربي بفعل ضعف العرب وعدم قدرتهم على التدخل باسم العروبة والإسلام والإنسانية وتحت ضغط شعوبهم بدون موافقة القوى الدولية الكبرى هذا من جهة، ومن جهة أخرى خشية البعض من امتداد رياح الربيع العربي إلى بلدانه.

 

في هذا السياق يمكننا تحديد الرابحين والخاسرين من نجاح الثورة السورية:

أبرز الخاسرين سيكون وبلا شك الكيان الصهيوني وأمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وإيران كما أن أبرز الفائزين هم دول الخليج العربي التي ستنعم بالأمن والاستقرار نتيجة وقف تمدد المشروع الإيراني وحصاره داخل أراضيه فقط، ولبنان التي تبحث عن أمنها واستقرارها، وتركيا التي تتبنَّ مشروعا تحرريًّا وتنمويًّا على المستوى الإقليمي والعالمي.

 

بالإضافة إلى الشعوب والدول العربية التي تشق طريقها إلى الحرية والتنمية والنهضة.

 

في هذا السياق يمكننا استشراف وتوقع الآتي:

– ثبات الثوار وامتداد لهيب الثورة في شتى المدن والقرى السورية يومًا بعد يوم بوقود دماء الشهداء الأبرار، وهذا أمر لا شك فيه ولا ريب معه مع مثل هذا الشعب العظيم الذي نبت وتربى على تراث وتاريخ أجداده العظام من الصحابة وعظماء وعلماء الإسلام، رضوان الله عليهم.

 

– ارتفاع وتيرة وحشية النظام واستخدام أسلحة جديدة ربما سلاح الجو وربما الحرب الكيماوية.

 

– طول فترة الثورة وتنامي عدد الضحايا.

 

– المزيد من المسلسلات الدولية المخادعة في مجلس الأمن وجامعة الدولة العربية.

 

– النمو الأفقي والرأسي للثورة السورية وقيادتها المباركة واستكمال نضوجها؛ حتى تصبح مؤهلة لتحمل مسئولية السلطة في سوريا وبناء وإدارة الدولة السورية في ظل هذه المعطيات الإقليمية والعالمية المعقدة سالفة الذكر.

 

* واجب الشعوب والمؤسسات العربية والإسلامية:

– الوقوف بكل ما تملك من قوة مادية ومعنوية بجانب الثورة السورية والتي تمثل عنق الزجاجة لمشروع التحرر والتنمية والنهوض العربي الكبير، وبناء قوة عربية علمية واقتصادية وعسكرية عالمية جديدة تملأ فراغ المنطقة وتوقف وترد النظام العالمي عن فساده وغيِّه وظلمه، وتعيد للعالم صلاحه وعدله واستقراره وتوازنه.

 

– الدعم الإغاثي للاجئين السوريين، خاصةً في لبنان والأردن وتركيا.

 

– الدعم المادي المتنوع للجيش السوري الحر، والذي يتألف من خيرة الشباب السوريين ولا يحتاج إلا للدعم المادي لمقاومة فلول النظام السوري وحماية الأطفال والنساء وتأمين المناطق السكنية من الفتك بها.

 

– الدعم الإعلامي بشرح الأبعاد الحقيقية للقضية وفضح النظام السوري والدول الداعمة له لإثارة الرأي العام العالمي ضده وإجبارها تحت ضغط شعوبها إلى سحب تأييده ودعمه له.

 

– وأخيرًا وليس آخرًا الدعاء آناء الله وأطراف النهار بإهلاك هذا النظام الفاسد المستبد، وإن الله على هلاكه وزواله لقدير؛ شرط أن نتحرك فعليّا لمد يد العون الحقيقية للثورة ثم نعود لصلاتنا وندعو، عندها سيستجيب الله تعالى لنا.

والله أرى بشائر النصر قريبة جدًّا وما النصر إلا صبر ساعة.

Leave a Reply