شُفيتُ منَ التّعلّلِ بالأماني ..شعر الأستاذ صالح أحمد

شُفيتُ منَ التّعلّلِ بالأماني

شعر: أ. صالح أحمد

مُدانٌ إن شُغِفتُ بحبِّ ذاتي = مدانٌ إن رَكَنتُ إلى الطُّغاةِ

مُدانٌ إن صَبَوتُ وهِمتُ جَهلا = مُدانٌ إن عَكَفتُ على صَلاتي

مُدانٌ لو رَضيتُ العيشَ صَمتًا = مدانٌ لو بَكيتُ على رُفاتي

سأخرجُ يا زمانًا لا يَراني = سوى وعدٍ على شَفةِ الوَفاةِ

سأخرجُ من عُيونٍ طارَدتني = بأسواطِ الظّنونِ السّاخِطاتِ

سأخرُجُ يا نِظامًا بربريًا = ينالُ مِنَ الضّحيَّةِ لا الجُناةِ

فلي أهلونَ في حُرِّ الفَيافي = ولي شَرَفُ التَّصَعلُكِ في الفَلاةِ

ولي بيداءُ لم تجهَل رُسومي = تُجَمِّعُني إذا طَلبوا شَتاتي

ولي في صَدرِها خَلَجاتُ صِدقٍ = تهدهدُني وقد كَثُرَت غُزاتي

ولستُ أرومُ ماضيها افتخارًا = ولكنّي سَئِمتُ تَناقُضاتي

عزيزًا أبتغي ما لم يَكُنّي = وحيدًا أستعيدُ تأوّهاتي

نُفيتُ؛ فكيفَ لا أنفي غِيابي؟ = رُميتُ؛ فكيفَ لا أرمي رُماتي؟

غُزيتُ، فقلتُ لا نامت عيوني = وقد أمسى غُزاتي هم قُضاتي

غزيتُ، وكل من حولي خصيمٌ = تَحاماني، وكم يرجو مماتي

على خُبثٍ يُراوِغُني سلامًا = وخَلفَ الظَّهرِ يَنصُبُ راجِماتي

عنيدا سوفَ أخترِقُ المعاني = وأبرأُ من كثيرِ تَساؤُلاتي

سأعصرُ حِكمَةَ الأيامِ عصرًا = بأهلِ العُهرِ لا تُجدي أناتي

سأخرجُ من زمانٍ ليسَ مِنّي = يقاتِلُ بالحياةِ صدى الحياةِ

سأملأ للحوادثِ كأسَ مرّي = بعصرِ الشّكِّ لا تُجدي عِظاتي

نُعيتُ ولم يزل في الجمرِ جَمري = فكيفَ ألامُ إذ أنعى نُعاتي؟

وقد عاشوا زمانًا لم يَروني = سوى شَبَحٍ تُناقِضُني صِفاتي

بعيدًا عن تُرابي عن جُذوري = غَريبًا في ظُنونِ الكائِناتِ

طَريدًا لا يَنالُ سوى لِهاثٍ = ولا يقفو سوى مجدِ الحُفاةِ

سأخرُجُ يا زمانًا خانَ خَطوي = وأسلَمَني لقصفِ الطّائراتِ

سأخرجُ طاهرًا مِنكم ومنّي = فليسَ يَليقُ بي زَمَنُ البُغاتِ

شُفيتُ منَ التّعلُّلِ بالأماني = وعُذتُ بِصَحوَتي من ذِكرياتي

وقد عفتُ المَسيرَ بظلِّ إرثٍ = تساقَطَ من ذُيولِ العائلاتِ

سأخرجُ من رباطِ العُذرِ قسرًا = لَكُم أسماؤُكم.. لي خارِطاتي

سيرسمُ دجلتي للنّيلِ أفقًا = ويصحو من صَدى نيلي فُراتي

من الصّمتِ الذي لا صمتَ فيهِ = من التّاريخِ جبّارٌ وعاتي

من “البلد الحرامِ” “الشّامِ” “صَنعا” = إلى “قُدسِ” اللّيالي الواعِداتِ

سأقطِفُ غَضبتي من شَمسِ نَزفي = ومن دَمعِ الثّكالى أمّهاتي

سأخرجُ من جُنونِ الموتِ صَمتًا = سأخرجُ من بَريقِ اللّافِتاتِ

سأخرجُ من كلامٍ ما شَفاني = وأسلَمَ طِفلتي للقاصِفاتِ

سأخرجُ من بيانٍ كم سَباني = وصبَّ رصاصَهُ يغزو جِهاتي

سأحملُ فوقَ كفّي روحَ روحي = فلي حُرُّ الرّدى ماضٍ وآتِ

هما خوفانِ قد ماتا بِصَحوي = وتوديعي عهودَ تهيُّؤاتي

فما أخشى ومسكُ الرّوحِ نَزفي؟ = وما أبغي بدُنيا الموبقاتِ؟

وما حُلُمي إذا ما سادَ بغيٌ = وصارَ الحُكمُ في كفِّ الحُواةِ؟

وما مَجدي إذا التّاريخُ أضحى = يُسَطّرُهُ عَشيقُ المومِساتِ؟

سأخرجُ من سُباتي من رُكوني = سأخرُجُ من هَباءِ الأمنِياتِ

سأخرجُ مِن حصارٍ كَم رَماني = بآلافِ الوعودِ الخادِعاتِ

سأخرجُ من حُروفٍ لم تَقٌلني = وكَم قُلتُ الحُروفَ مُحنّطاتِ

سأخرجُ مِن نِداءٍ ما اعتَراني = ساخرجُ من غُبارِ تَداعِياتي

بكَت “بغدادُ” فاستدعَيتُ دمعي = ليخذُلَني، ويسكنَني مَواتي

وقامَ “الشّامُ” يستَسقي غليلا = فعزَّ لديَّ نَزفُ الصّافِناتِ

وجفَّت في “الحِجازِ” مُعلَّقاتٌ = فما يُغني غَريبُ التّرجَماتِ؟

وناحَ “المغربُ العربيُّ” ظُلمًا = وكنتُ أسيرَ ظِلِّ موشّحاتي

تئنّ “القدسُ” ملءَ الكونِ نزفًا = لها أعدَدتُ صَبرَ مخَيّماتي

سأخرجُ شاهرًا إنسانَ نَفسي = وإيمانَ القلوبِ الصّادِقاتِ

سأخسَرْ إن خَسِرتُ ظِلالَ عَيشٍ = وأغنمْ إن غَنِمتُ خُلودَ ذاتي

Leave a Reply