تحويل القبلة – دلالات وبينات التمكين والريادة للأمة

 

(( من كتاب دليل الخطباء والوعاظ))

(سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍمُّسْتَقِيم،وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَعَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَاٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَمِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَىٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَبِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيم،ٌقَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَقِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَاكُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَلَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّايَعْمَلُون،َوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِأَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّشَيْءٍ قَدِيرٌ،وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّاتَعْمَلُونَ،وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّيَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَتَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْتَهْتَدُونَ، كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْآيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُممَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُون،َفَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْوَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون،ِيَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَٱلصَّابِرِين،َوَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِيسَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّتَشْعُرُونَ) (البقرة 144-155).

وهذه بعض الدلالات والإشارات، والتي تبشر بالتمكين والريادة لأمة الإسلام:

 1- أن العبادة حق لله وحده فقط على العباد بالكيفية التي يراها سبحانه، وليس للعباد حق الاعتراض على ذلك (( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)).

2- أن المسلم وهو يطبق شرع الله لا ينبغي له أن يتأثر بقول السفهاء من الناس فيشبه صنيعه صنيع أهل الكتاب، والكفار والمنافقين ؛ بل عليه تمام الطاعة والعبادة على الوجه الذي أمر الله به عباده (سيقول السفهاء من الناس)، وهنا نذكر ببعض ما دخل على المسلمين من أخلاق وعادات وتقاليد تريد أن تفسد عليهم عباداتهم، بل أحياناً توصل المسلم بالخجل عند تطبيقه للعبادات وللسنن النبوية، كاستخدام السواك، أوالتخلي عن الكثير من العادات بخصوص الزواج ومراسمه، أو استخدام بعض المصطلحات كالجهاد والحدود وقيادة البشرية، وغيرها.

3-  أن الأمة الإسلامية تُتبع ولا تَتبع! تقود ولا تٌقاد، فهي أمةُ مميزة في كل شيء، وعلى أبنائها أن يحافظوا على هذا التميز بكل أشكاله وخصوصاً العقائدية والعبادية، فجعل الله قبلة الأمة مميزة عن غيرها من الأمم ليغرس فينا نحن المسلمين ثقافة التميز والقيادة، قال رسول الله في الحديث الصحيح :إن أهل الكتاب يحسدوننا على ثلاثة أشياء (إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين) أنظر السلسلة الصحيحة للألباني، قال إسناده جيد.

4- أن أمة محمد – صلى الله عليه وسلم- أحق بإبراهيم من غيرها، ولو كان اليهود والنصارى أحق به لهدوا لقبلته واتبعوها! لكن كما قال الله ((ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماُ ولم يك من المشركين)) آل عمران 67. وهذا يعني أننا أحق بميراث إبراهيم منهم، وميراث إبراهيم ليس فقط المسجد الحرام بل وبيت المقدس أيضاً باعتراف اليهود والنصارى أنفسهم.

5- أن توجهنا في القبلة للبيت الحرام، كان تمهيداً للخيرية والزعامة العالمية والشهادة على العالمين في الدنيا والآخرة (( و كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)) فنحن – بعد هدايتنا لهذه القبلة – أصبحنا مؤهلين كأمة لنكون شهداء على الناس والأمم وعليه فالرسول سيشهد علينا، قال رسول الله في الحديث الصحيح: “أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه عز وجل”

6- أن الابتلاء متعدد الأوجه و المجالات، فهنا ابتلى الله المؤمنين ابتلاء يمس عقيدتهم وعبادتهم، فليس من الضروري أن يكون الابتلاء في البدن أو الحرية كالحبس أو الجوع أو العطش أو الخوف ((ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين)) البقرة 150، بل أحياناً يكون الابتلاء بالإيمان والعبادات، فالله ابتلى أصحاب رسوله بصلاتهم التي هي عماد العبادات وركن الإسلام ، فصبروا وثبتوا ولم يعترضوا، بل لم ينتظروا لإنهاء صلاتهم بل غيروا قبلتهم أثناء الصلاة، كما ورد في صحيح البخاري في مسجد بني سلمة الذي سمي بعدها بمسجد القبلتين. (( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم)). لقد كان الابتلاء عظيمًا، وكان الأمر كبيراً، لولا تثبيت الله وهدايته.

7-  سرعة استجابة المسلمين لأمر الله وتنفيذه دون حسابات، ودون “لكن أو بس أو ما هو”، فلم ينتظروا حتى يستفسروا عن الموضوع، بل غيروا وجهتمهم وأثناء الصلاة إما الظهر أو العصر كما في الروايتين ، وهكذا كان ديدنهم –رضي الله عنهم – كما في أمر الحجاب أو تحريم الخمر وغيرها ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)) الأحزاب 36.

8- أن رحمة الله عظيمة لا حدود لها، وأن الله لا يضيع أجر من أطاعه، (( وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم))، وعلى المسلم أن لا يزهد في طاعة ولا في أمر من أوامر الله، وعليه فقط باتباع أوامر الله وعبادة الله كما يريد الله فقط.

9- عظم شأن الصلاة في دين الله، حيث استبدلها الله بالإيمان ((وما كان الله ليضيع إيمانكم))، وكأنه بدون صلاة فلا إيمان، وأن حسن الصلاة وحسن تأديتها دلالة على حسن الإيمان.

10- أن الله هيأ الكون لهذه الأمة للقيادة، وأخبر الأمم قبلنا بذلك، وحدث ذلك عملياً في حادثتي الإسراء و المعراج، فالله أخبر اليهود في توراتهم أن قبلة المسلمين للبيت الحرام ((وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل عما يعملون))، وكان باستطاعة اليهود أن يسبقونا لهذه القبلة لعلمهم بفضلها على غيرها، لكنها رعاية الله لهذه الأمة ولرسولها ولمنهجه منذ أن خلق الله هذا الكون ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) الحجر9.

11-  أن بعد آيات القبلة جاءت آيات تحث على الصبر والجهاد، كما أن الأمر بتحويل القبلة جاء في شعبان أي قبل غزوة بدر بشهر أو أقل، وكأن القبلة كانت آخر معالم التميز الكبرى التي كانت إيذاناً بانطلاق المسلمين للعزة والتمكين ((يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة، إن الله مع الصابرين، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتٌ، بل أحياءٌ و لكن لا تشعرون)) البقرة 153-154.

Leave a Reply