قدرُ ومكانةُ الاعتكاف

 

((من كتاب: دليل الخطباء و الوعاظ))

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله ، وبعد:

درجة معرفة قدر الشيء تؤدي إلى قدر الإهتمام به، وحينما لم يعرف أهل الكتاب قدر الله، أشركوا به ( وما قدروا الله حق قدره) الأنعام 91، (وما قدروا الله حق قدره، إن الله لقويٌ عزيز) الحج 74. ومن السنن المهجورة وغير المعروف قدرها عند المسلمين، سنة الاعتكاف.

والاعتكاف على وزن افتعال، أي حبس النفس عن التصرفات العادية ومنع النفس عنها. ((المصباح المنير بتصرف))

وعليه فالتفكر في قدر الاعتكاف يجعلنا نلاحظ عدة أمور:

1-  أن الاعتكاف سنة من سنن الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم-، فقال الله آمراً نبييه إبراهيم وإسماعيل : (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) البقرة 125، (..والمسجد الحرام الذي جعلنه للناس سواءً العاكف فيه والباد..) الحج25، العاكفون جمع عاكف أي الماكثون في المساجد ، والاعتكاف لا يتم إلا بركنين : النية والمكوث في المسجد. وفعل سنة أقوام بمحض حرية الشخص دلالة على حبه لهم، فالمعتكف محب للأنبياء وعلى رأسهم رسول الله ، وما اعتكافه إلى أحد البراهين على ذلك، ويحشر المرء مع من أحب، فنرجو أن يحشر المعتكف مع الأنبياء وعلى رأسهم رسولنا – صلى الله عليه و سلم.

2-  أن أحد أهداف الله من تطهير وبناء المساجد: المكوث فيها (والعاكفين)، فكثرة المكوث في المساجد، وهو أكثر ما يتحقق بالاعتكاف، تلبية لهدف وضعها في الأرض من قبل الله. فمن سار في طريقه لتحقيق ما أراده الله دلالة على حبه لربه وتنفيذ أوامره، مما يدلل على حب الله له كذلك إن شاء الله.

3-  أن المعتكف أفعاله تشبه أفعال الملائكة، فالملائكة شغلها الشاغل تسبيح الله ((يسبحون الليل والنهار ولا يفترون)) الأنبياء 20، فالمعتكف في المسجد دائم الذكر لله، والإنقطاع عن الدنيا، فقراءة القرآن ذكر، والصلاة ذكر، والتسبيح ذكر، وسماع المواعظ ليست إلا حلقات من الذكر، فمعظم وقت المعتكف ذكر، فيتشابه بذلك مع الملائكة.

4-  أن المعتكف كالمرابط في سبيل الله، فهو مرابط في المسجد، ويسري عليه الأجر طالما هو على حاله شأنه شأن المرابط في سبيل الله. فالمرابط متأهب في كل لحظة لقتال العدو وهو على الثغر، أما المعتكف فهو يصد كل لحظة الشيطان والهوى، وفي صراع معهما، وربما مقارعة الشيطان والهوى أشرس من مقارعة العدو. كما أن المعتكف هو بعادته بانتظار الصلاة تلو الصلاة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال، قال رسول الله : “…وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط”، صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

5-   أن المعتكف صابر، والصبر نصف الإيمان، ولا جزاء للصبر إلا الجنة؛ لأن الصبر ليس إلا حبس النفس عن الشكوى إلا لله، فالمعتكف يصبر ويحبس نفسه عن الدنيا وهمومها، ويصبر على الطاعات ويصبر عن المعاصي وكذلك عن كثير من الحلال.

6- أن المعتكف لا يستطيع أحد معرفة أجره، لأن في مجرد المكوث في المسجد أجر عظيم، فكيف إذا كان هذا المكوث يصاحبه قراءة قرآن، وصيام، وقيام، ودروس علم، وملازمة الإمام في تكبيرة الإحرام وغيرها من الأفعال المحمودة! فالمكوث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء على المكاره من الكفارات التي يختصم فيها الملأ الأعلى عند الله سبحانه، وفعلها – كما صح عن النبي– يضمن لصاحبها العيش بخير والموت بخير وكان من خطيئته كما ولدته أمه.

Leave a Reply