دليل الخطباء والوعاظ لشهر ذي القعدة

 

 

مقدمة (إعداد المشرف العام للموقع)

أكرمني الله بأن نشأت و ترعرعت في بيت يحب كتاب الله ، في الصباح و المساء يصدح المذياع بآيات الرحمن ، و أحياناً كان الوالد نفسه يتلو هذه الآيات في هذا البيت العامر ، أو كل يوم بعد أذان صلاة العصر و حتى الإقامة في مسجد النصر بغزة هاشم ، كان الناس آنذاك – في أواخر السبعينيات و حتى منتصف الثمانينيات – قلما تجد من تسمع منه القرآن مباشرة ، فكنا لا نعرف القرآن و القُرّأء إلا عبر المذياع و خصوصاً صوت القرآن الكريم من القاهرة ، فكان الناس في قطاع غزة يطربون لسماع قارئ من بينهم يطربهم بترتيل لآيات ما زال صداها – و الحمد لله – حتى هذه اللحظة في آذانهم. كان الوالد –رحمه الله- يستغل الأعراس و المآتم ليُسمع الناس القرآن بشكل حي و مباشر ، و بالرغم من اعتراض – آنذاك – بعض طلبة العلم الشرعي حديثي الدراية باستخدام هذه المناسبات لتلاوة القرآن ، إلا أن العالم المتفحص سيقتنع أن هذه هي الوسائل التي كانت متاحة في ذلك العصر لإقحام القرآن في جميع نواحي حياة الناس آنذاك ، حيث قلة القُرّاء إن لم يكن نُدرتهم ، وقلة طلبة العلم الشرعي ناهيك عن العلماء ، إضافةً لذلك الإحتلال و ظروفه و أساليبه المتعددة التي كان يستعملها لإبعاد الناس عن دينهم.

 لقد كان – حسب وجهة نظري المتواضعة المبنية على فهم فقه الموازنات – الوالد رحمه الله بارعاً هو ومَن نهج نهجه في ذلك العصر باستخدام تلك الوسائل حيث لم تكن فضائيات و لا إنترنت ، والفقر و الحاجة في القطاع كانا لا يعينون كل الناس على اقتناء التلفاز أو المسجلات إذا امتلكوا المذياع أصلاً. إن الذهاب للناس حيث تجمعاتهم و إسماعهم القرآن هي سنة نبوية في حالة الضعف الدعوي كما فعل رسولنا الكريم في العهد المكي ، حيث ما يسمع –عليه السلام – بتجمع و لا وفد قادم لمكة إلا و يعرض عليه الإسلام و يُسمعه القرآن.

 لقد كنا – و نحن صغاراً – حينما نصلي خلفه في مسجد النصر ، نسمع آيات الفتح عند فتح مكة ، وآيات الهجرة من سورة الأنفال عند ذكرى الهجرة النبوية ، وآيات الإسراء عند ذكرى الإسراء و المعراج ، و نسمع مواعظه و مواعظ غيره من أهل العلم عن كل مناسبة ، أحياناً بعد العصر و أحياناً بين المغرب و العشاء ، أو بعد العشاء.

 لقد كنا نعيش المناسبة و كيف وصفها و صورها القرآن الكريم ، ثم تفاصيلها من سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم . صحيح كنا نسمعها آيات ، و قصص ربما ليس فيها ذاك التوضيح الحركي الدعوي ، لكننا –أي أبناء هذا الحي –عرفنا و تعلمنا و حفظنا العديد من الآيات و معظم أحداث السيرة النبوية دون أن نقرأ أو نذاكر بفضل منة الله علينا و ثم بفضل ذالك الأسلوب البديع و الجميل في ذالك الوقت.

 بعد منتصف شهر ذي القعدة من العام الماضي – 1431هـ – و حجاج بيوت الله تستعد و تتهيأ لزيارة بيت الله الحرام ، صليت في العديد من المساجد الصلوات الجهرية ، فلم أسمع أحداً من الأئمة يتلو آيات الحج ، أو الآيات التي تتحدث عن مكة ، وأزعم أن موسم الحج انتهى و عاد الحجاج و العديد من الأئمة لم يؤموا بما يناسب هذه الشعيرة ، وكذلك الوعاظ ، وكأن موسم الحج لا ينبغي أن يستفيد منه سوى زوار البيت الحرام لا غير!

 و تساءلت في نفسي : كيف يمكن أن يعيش المسلمون مع القرآن و مع حيات الرسول –عليه السلام- و المناسبات تأتي و تذهب و العديد من أئمتنا و وعاظنا لا يجتهدون ليجعلونا نعيش هذه الأحداث؟ كيف يمكن أن نُنشأ جيل يتربى أن القرآن و السيرة النبوية كل حياته ، يعيش بهما و يتصرف وفقهما ، ويدور حيث يدورا ؟ هناك المعظم من الناس لا تجلس جلسات العلم الشرعي المنتظمة في المساجد ، لكنهم يصلون و يداومون على الصلوات في المساجد ، ويسمعون لخطب الجمعة و العديد من المواعظ العامة ، فلماذا لا يعيش هؤلاء هذه اللحظات القرآنية النبوية الندية كما كنا نعيشها و نحن صغارا؟ أين فقه الواقع و فقه الوقت لدى أئمتنا و وعاظنا اليوم؟

 ولسنا هنا بصدد اللوم ، إنما بصدد إيجاد الحلول ، ففكرت بالقيام بخطوة في هذا الإتجاه ، وحتى لا أُعيد عملاُ ربما قام به غيري ، سألت العديد من أهل العلم ، عن وجود دليل للائمة و الوعاظ ، شارحاً لهم الفكرة بشكل موجز ، إما مشافهة أو عبر الجوال ، وكان جوابهم أنهم لا يعلمون بشيئ مثل ذلك! و شرحت لبعضهم الفكرة ، وأذكر من هؤلاء أ. د.      أبو حلبية ، فقلت هل تشجع مثل هذا العمل ، فشجع على ذلك ، وقال ياليت يقوم أحد بمثل هذه الفكرة! فاستعنت بالله و بدأت بهذا العمل ، و الذي اسأل الله أن يكون في ميزان حسناتنا يوم القيامة، آمين.

 وهنا أود أن أسجل أني و أثناء أدائي لفريضة الحج في العام 1427هـ ، كان إمام الحرم المكي –جزاه الله خيرا- يقرأ في الصلوات الجهرية إما آيات تتحدث عن مكة أو عن فريضة الحج ، فكانت النفوس تتهيأ بشكل روحاني جميل مما ساعد من الإستفادة من هذا الموسم و الحمد لله.

إن فكرة هذا العمل لا تقوم على شرح الآيات أو أحداث السيرة ، إنما تقوم على محاولة معرفة تواريخ أحداث السيرة النبوية ، ومناسبات نزول آيات القرآن الكريم ، ووضعها ضمن جداول سهلة ، كل جدول يخص شهراً هجرياً ، يستطيع كل إمام أو واعظ أن ينظر في هذا الدليل فيعرف ما يناسب الشهر و أحياناً اليوم الذي هو فيه ، فيختار لها الآيات المناسبة إن كان إماماً في الصلاة ، و إن كان واعظاً فيتعرف عبر هذا الدليل المتواضع على المناسبات ، فيعود إلى كتب السيرة فيقرأ منها ، وبذلك نربط الناس بتاريخهم ، ويصبح القرآن موجهاً شبه يومي للمصلين في المساجد بجانب السيرة النبوية و بعض الحوادث التاريخية الهامة كمعركة اليرموك أو القادسية أو عين جالوت أو فتح بيت المقدس أو غيرها.

 و حينما نظرت في بعض مراجع السيرة النبوية ، لاحظت أن صاحب كتاب الرحيق المختوم جزاه الله خيراً ، قد بذل جهداً رائعاً في التحقق من تواريخ الأحداث ، ولأني أؤمن بأن المجهودات يجب أن يُكمِل بعضها بعضا ، فاعتمدت عليه فيما حقق من تواريخ ، و عند وجود إشكال ما كنت أرجع لتهذيب سيرة ابن هشام للأستاذ عبد السلام هارون.ثم ذهبت لكتاب أسباب النزول للنيسابوري –رحمه الله- وقرأته للتعرف على مناسبات نزول بعض الآيات ، مع أن بعض هذه المناسبات كانت موضحة في كتاب السيرة.

 ثم نظرت فوجدت أن هناك مناسبات تخص التقويم الميلادي ، كمواسم بدء الدراسة في كل عام و الإمتحانات والإجازات الصيفية و كيفية استغلالها، أو حتى بعض المناسبات الدخيلة على الأمة ، كعيد الحب أو الأم أو الشجرة ، أو الإستقلال فقلت نُذكر بها أيضاً بهدف تهذيب الناس و إرشادهم ضمن رؤية الشرع في ذلك ، وغير ذلك من المناسبات التي انطبعت ذكراها عند الناس بتواريخها الميلادية ، كحريقي المسجد الأقصى ، أو وعد بلفور أو تقسيم فلسطين أو الإنتفاضة الأولى أو هدم الخلافة الإسلامية و غيرها. و لذلك أضفنا جداول تخص الأحداث المرتبطة بالأشهر الميلادية.

 و سيلاحظ الدعاة و الوعاظ أننا لخصنا و بشكل نقاط بسيطة في تفاصيل بعض الأحداث ، وخصوصاً في السيرة النبوية ، وربما وضعنا أحياناً بعض الأفكار بين هذه التوضيحات قد تُساعد الواعظ في وعظه.

 نؤكد أن هذا العمل لن يجد فيه الإمام أو الواعظ كل ما يحتاجه لموعظته أو إمامته ، إنما سيجد لمعظم المناسبات ما يناسبها من آيات و أحداث على شكل عناوين لا تفاصيل ، ويبقى عليه بعدها الرجوع لكتب التفسير و السيرة النبوية و ربما بعض كتب التاريخ.

 إنني على بقين أن هذا العمل سيسهل على الكثير من الوعاظ و الأئمة ، و ربما يتطور هذا الدليل – إن شاء الله ليتوسع بدمج بعض الأفكار و بعض الفتات من بعض الكتاب و العلماء ، للتسهيل على مستخدميه أكثر فأكثر.

 أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يرحم والدي رحمة واسعة و أن يجازيه عنا خير ما جازى به والداً عن ولده ، وأن يجمعنا به في الجنة ضيوفاً على رسول الله و صحابته مع الصديقين و النبيين الشهداء و حسُن أولئك رفيقا.

 

لرؤية الدليل : تفضل بالدخول

دليل الخطباء والوعاظ لشهر ذي القعدة

 

 

Leave a Reply