بكائيةٌ بغداديةٌ : واستصرخت أنـَّاتِها النَّاياتُ…للشاعرة ثريا نبوي

 

 

 

واستصرخت أنـَّاتِها النَّاياتُ

للشاعرة المصرية: ثريا نبوي

 

رُدُّوا البضـاعةَ إنَّها مُزْجـَاةُ=في الشهدِ سُمًّا تنفِثُ الحيـاتُ

ذودوا عن الأوطـانِ غولَ مطـامعٍ=لم تنْجُ منه جبـالُـها وحصـاةُ

الغربُ جَمَّع شملـَـهُ  ما بالـُكم=جمعتكمُ  الأدواءُ والفُرقـاتُ؟

مــــــازال عالمُـكم يئنُّ تمزُّقـًـا=والذئبُ يفتكُ حين تشرُدُ شاةُ!

هذي وحوشُ الغربِ ترصُدُ خوفَكم=شَرَكُ الفريسةِ خوفُها ورُماةُ!

أوَ تبحثونَ عن الهُوِيـَّةِ ..وَيْحَكُم=تحت اللـواءِ  هُويـةٌ ونجاةُ

كـــان الفتيَّ وحيــن كــان مُرَفرِفـًـا=حَمَت المرامي جنـدُها وكُماةُ!

وصحـا الذئابُ ونام مَن قادوا الورَى=نَهْجُ الذئـابِ تصَـبُّرٌ وأنـَـاةُ!

زرعوا الحضـارةَ -والبذورُ تمرُّدٌ-=في الوحلِ لم تُقطفْ لها ثمَـراتُ!

إلا الرذائـلَ من منابِتِـها جَنَتْ=أيدي البريـَّـةِ  أقفرت خيراتُ

وترنَّحت بالخـمرِ تنـزِفُ عقلـَـها=وإلـَهُهـا الدولارُ والصفقاتُ

وإذا الحضـارةُ باللئـامِ اسـْـتُنْبِتَت=كفَرت! فلا تُتْـلى بها صـلواتُ!

أوَ نرتجي من جَـدْبهم خيرَ الجـَـنـى؟=عَمُوا وَصَمـُّوا .. صدَّقت آيـاتُ

بات العِنـانُ على الغواربِ مُطلقــًا=فإذا الطريقُ  مدامعٌ  وشُكاةُ!

يا شِرْعة َالغابِ استعيدي بدءَهم=فوق الجماجمِ قـامت “الويلاتُ”!

شهِدَ الهنودُ  الحمرُ  ليـلَ مذابحٍ=سـُـلبت حقوقٌ  نبضُـها حَيَوَاتُ

شرعوا استباقَ الحربِ بعد حصارِنـا=صُــفِعت على الخدَّين  حرِّيـاتُ

غالوا الطفـولـةَ..أطفأوا أفراحَها=عجفاءُ عطْشى  والسليبُ  فُراتُ

عجفـاءُ والبترولُ يجري أنهـُـرا=وعلى السنينَ  تخُيَـِّـمُ  المأساةُ

قد مزَّقوا  جســدَ العراقِ بفُرقةٍ =كي  يجمعَ الوطنَ الجريحَ شَتـاتُ

في بَيْدَرِ التقسيمِ جالَ تَواطؤٌ=مُهَجَ المَغاني يســتبيحُ غُلاةُ

بغدادُ  تُنسَـجُ  مِن دِمـاهـا  بُرْدَةٌ=وطيـورُ  بيـْنٍ  في المَدَى نَعِبـاتُ!

يا غزلَنـا المنقوضَ يا بغـدادُ.. مَن=للغزلِ إنْ  نقضَ الغزولَ عُـداةُ؟!

= = =

هذي “جِنيفُ” تمرَّغت في وَحْلـِهم=شُـرِبت على أشلائها الكاساتُ!

يا “رمسْـفِلد” ويا “بليرُ”  تقاسـمـا=عارَ الفضيحةِ سجَّلت  عدساتُ

هذا  هو الوجـْهُ الكريـهُ لحقدِهم=ما الغربُ إلا  نِقمـةٌ  وجُنــاةُ

أوَّاه يا سـجنَ “الغريبِ” تهتـَّكَت=أسـتارُهم وتصـاعدت آهاتُ!

مَن للعذابِ المرِّ  يصــفعُ  ظنَّنـا=كنا نظنُّ  إذا بها أنــَّـاتُ!!

حربُ البشــــــاعةِ والوضاعةِ لم تضعْ=أوزارَهـا وتباطـأ الميقـاتُ!!

هرمـًا من الأجسادِ رصَّص  لهوُهم=أوَ في الرَّغامِ تُنَضَّدُ القامـاتُ؟؟

سحَلوا الكرامةَ والجراحُ  تفاقمت=وتكشَّـفت من سِـتْرِها  العوراتُ

حلَّ الرجـالُ محلَّ هاتيـكَ  الدُّمى=عبثَ القيـادةِ تنقلُ  القنـواتُ

صُــلِبوا وعُصِّبت العيـونُ فلا نرى=هولَ الجحوظِ إذا سَـرَت صعقاتُ

مَن ذا  يُهوِّمُ  والنعــاسُ جريمـةٌ=سـادِيَّةٌ قد قنَّنتهـا اللاتُ!

وحشـيـةٌ  لم يسـمحِ النـــازي بها=دَمويــَّـةٌ  قد برَّرت غايـاتُ

والإخوةُ الأعـداءُ لم يتورَّعـوا =بلدُ الرشـيدِ تخونُهُ الجـاراتُ

والقابضونَ على الرقـابِ تشاغلوا=مِلْءُ الجفونِ تغافـلٌ وسُباتُ

مَن للبـكاءِ إذا تحجَّـر دمعُنـا ؟=واستصرخت أنَّـاتِها النَّايـاتُ؟!

= = =

وإذا الكلابُ توحَّشت وتحلَّقت=شُـطِرَت قلوبٌ..شُيِّعَت  عَبَرَاتُ

مَن ذا سـيُخفي في الجرابِ حقيقةً=مِزَقـــًا يُمَزَّقْ  تُطعَـمِ الحدآتُ

هذي وضاعتُهم إذا ما اسـتوردوا=مِن سـجنِ “كوبا” جاءت الخبراتُ

بل كِدتُ أنسى ..والتَّذكُّرُ نكبـةٌ=مِن سَبْقِنا تُسْـتَنسَـخُ الآفاتُ!!

طالت (حَلَبْجةَ) أو (حماةَ) يدُ الفَنـَا=وعلى الخرائطِ دارت المِمْحـاةُ!!

في حافلاتِ الموتِ نقضي نحبَنــا=جوعًا..صَــدًى.. تُودِي بنا الزَّفَراتُ

أو حين تَشوينا شموسُ القَهرِ في=عُلَبِ التَّنـاقُـلِ ما لنـا إفلاتُ

والسُّمُّ في الأحشاءِ  يسري كيفما=أمَرَ الملوكُ  ويسْـتجيبُ طُهـاةُ!

مُرُّوا  على أحواضِ حِمْضٍ كم بهـا=ذاب الخلائقُ  فانتشت  لذَّاتُ

ولْتنظروا  أشـواكَ بُغْضٍ ثَقَّبَت=أقدامَ  مَن هُم في المسيرِ حُفـاةُ

وأناملاً  قد  أُدمِيَت  في خِسَّةٍ=نزعـوا الأظافـرَ  أمْحَلت رحْمـاتُ!

ونَمَتْ سِـياطٌ في الأكُفِّ جُذورُهـا=فاستعذبَ السلخَ البطيَء عُتـاةُ!

شـيـطانُهم قـالَ املأوها تابِلا=بفمِ الجـراحِ تُنَضَّـدُ الجمَراتُ!

بات  الرجـالُ مُنكَّسـينَ  وعُلِّقوا=وعَلى الظهورِ السُّـوقُ مُستعِراتُ!

وتَمَزَّقَـت أوصـالُهم إذ عُلِّـقت=في المِعْصَمَيْنِ مِن الحديـدِ كُراتُ!

قد دُنِّسَـت أعراضُـهم  وتَلَطَّخَت=حين اسْـتـُبيحت زوجـةٌ..أخوَاتُ

أو حين ثُبِّت في الحَشَـا ذَيْلُ العَصَا=يا وَيْلَنـا في الأرضِ عاثَ بُغـاةُ!!

نَهَشَت كلابٌ  فالمُـدَرِّبُ حَثَّـها=مات الضميرُ تَكَدَّسـت حسَـراتُ!

وإذا الدِّلاءُ  إلى الجِوارِ  اسـتُبقيت=أبشِـعْ بها  إنْ دارت الدوراتُ

= = =

أَسمِعتَ عمَّن أُغرِقوا واسْـتُنقِذوا=غرقٌ.. وطفوٌ .. لُعبـةٌ.. مَلهاةُ!!

سجــَّانُنا حرٌّ تسـلَّى بالوَرَى!=حرٌّ  ولم تُعـْوِزْهُ  مُبتـكــَراتُ!

إن شاء يخنِقْ مَن يشاءُ فإنهـا=باتت مَشاعًا أنفُسٌ وَرِئــاتُ!

في الجسمِ مُطفــأةٌ سجائرهُ التي=فوق الجفونِ بَدَت لـها بصمـاتُ

جلادُنــا يكوِي وليس مفوَّضـًـا=للنــارِ ربٌ  إن بدَت عِـلاَّتُ

هذي عيـونٌ أُطفِئت أنوارُهـا=وعلى الشطوطِ تكالبت ظُلُمـاتُ!

ذهبَ الصُّراخُ سُدًى وبعثرهُ المدى=حتى متى  تتبدَّدُ الصــرخاتُ؟!

باتت عظـامٌ  والرَّغَــامُ فِراشُها=في الليلِ ترسُفُ كُبِّلَت خُطواتُ

للبردِ أنفـاقٌ  وفَنٌّ  ضــارِبٌ=أتَلينُ للفـنِّ الخسـيسِ قنـاةُ؟!

والسـجنُ يسـبحُ في ظلامٍ دامِسٍ=عَمِيَتْ على جُدرانِـهِ السّـاعاتُ!

أرخى الظلامُ سُـدولَهُ  لم  يَطْوِها=فتشابَهَ الأحيـاءُ  والأمواتُ!

وسَـلوا مفاتيحَ  الزنـازينِ التي=لو حُرِّكت لَتَسَـمَّرت نظراتُ!

وتوجَّسـت شرًّا سَيُمطِرها أذًى=ومن المخاوفِ تنبري العشراتُ!

تلك الفنونُ هي الجنونُ إذا ارتَــأَوا=نفخَ البطونِ وأسـهَبت آلاتُ

في الرأسِ مِثْقـابٌ يُعَرْبِدُ فــاجـرًا=والقيْــدُ مِنْجَلَةٌ  لهــا قَبْضـاتُ!

شرفُ الخُصـومةِ مِن عُهودِهمُ انطوى=لُــدٌّ وفي سـاحِ الخصـامِ عُراةُ!

أمَّا المشـانقُ والرَّصـاصُ فإنَّها=بَتَرَتْ زوائدَ والليــــالِ سُكــاتُ

فالمُترَفـونَ على  الأرائــكِ أزَّهم=رَجْعُ  الأنينِ  فقُتِّلَـــت  أصــــواتُ

قبرٌ وأُتخِمَ بالجمـاجمِ..جُمِّعـت=حُشِـدت فكانت ثَمَّ مؤتمراتُ!

وتُطِلُّ نافذةُ السـجينِ على الحِمى=هذي بلادُ العُـرْبِ  معتقلاتُ

كلُّ العبـادِ بغيـرِ جُــرْمٍ مذنبٌ=أَوَ في العبيــدِ يُنــازَعُ السَّـاداتُ؟!

قُتِلَ الأمـانُ  بخِنجَـرٍ مُتَفَــرِّدٍ=وتقَوقَعت في الخوفِ مجتمعـــاتُ!

رَدُّوا بضـاعتَنـا إلينـا حسـبُنــا=نونيـَّـةٌ” يزهـو بهـا الإثباتُ!!*

= = =

قلبـاهُ يا بغـدادُ مـاذا بعد مــا=تحت النِّعالِ اسْـتُنزِلَت هـامـاتُ؟!

وتبوَّل  التـاريخُ  فوق رؤوسنا=صِرنا غثــاءً ما لنــا حُرمــاتُ؟!

إن أصبحَ الجـلادُ قـاضينـا فلا=عادت حقوقٌ أوْ ..جَلَتْ نكبـاتُ

ظنُّـوا السيادةَ مِنحةً من فضلِهم=خسِـئوا فتحتَ رَمـادِنا الثوراتُ

ظنُّـوا بأنـَّا سوف نركـعُ لا.. ولن=لا والذي فرض الجهـادَ..أُبــاةُ!

يُطفا الغليلُ إذا الكلابَ  تلقَّفت=أُسْدٌ  ضَوارٍ مِلْؤها الثاراتُ

يا “رمسْفِلد” رُموسُكم حُفِرت هنـا=لن تهنأوا ..للرافـديْنِ حُمَاةُ!!

= = =

 

(*) القصيدةُ دندناتٌ حول مشروع الشرق الأوسط الكبير

وما واكَبَهُ مِن كشف النقاب عن تعذيب العراقيين في سجن أبو غريب

والنونية:هي القصيدة التي كتبها في المُعتَقَل د/يوسف القرضاوي العالِم الإسلامي المعروف

 

Leave a Reply