في المقاومة…..”حجارة السجيل” ودروسها

 

 

لطالما افتعل الاحتلال اليهودي  هجمات واقتحامات جزئية وبدرجات متفاوتة على قطاع غزة. الاستطلاع بالقوة المسلحة هو المحرِك لتلك الهجمات. رصد الاحتلال عبر تلك الهجمات كل تطور طرأ على المقاومة بأذرعها المختلفة، سواء في كثافة النيران، ونوعية الأسلحة المستخدمة، وتكتيكات المقاومة وخططها في التصدي. تصدت المقاومة للعدو في كل الهجمات السابقة بمنتهى ضبط النفس، ولم تُظهر إمكانيات جديدة، الأمر الذي دفع العدو لتكرار الهجمات في محاولة منه لاستخراج مكنون المقاومة والتطورات التي طرأت عليها. وفي الوقت نفسه طالت الألسنة المغرضة على حركات المقاومة، فتارة تقول: صواريخ عبثية ولا تنم عن قدرات قتالية أو رغبة في المواجهة. وتارة تقول: حماس استراحت واستكانت للحكم في غزة ولم تعد تفكر في مواجهة العدو.

لقد أثبتت معركة حجارة السجيل أن حركة حماس وحركات المقاومة الأخرى في قطاع غزة لم تكن نائمة منذ حرب الفرقان، ولم تغادر مربع المقاومة، بل كانت تستعد ليوم مفاصلة قادم لا محالة. ومظاهر هذه التطورات الجديدة:

1-    لم يشعر أحد بأي إرباك في سلوك حركات المقاومة في غزة، باستثناء الإجراءات الأمنية المشددة التي تقتضيها ظروف المواجهة.

2-    استخدام سلاح الصواريخ دون غيره من أسلحة المقاومة، وهو لا يشكل نسبة مئوية ذات بال لدى قوى المقاومة.

3-  إطلاق كثيف للصواريخ بدأ فور استهداف قائد كتائب القسام الشهيد أحمد الجعبري بمائة صاروخ تلاها 527 صاروخاً في اليوم التالي. وهذا أعلى معدل إطلاق صواريخ يُطلق في يوم واحد في تاريخ الشعب الفلسطيني.

4-    استخدام كثيف وبشكل غير مسبوق لصواريخ استُخدمت على نطاق ضيق في حرب الفرقان، مثل صواريخ غراد، وصواريخ 107.

5-  استخدمت المقاومة ولأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني – (الإسرائيلي) صواريخ فجر 5، وصواريخ محلية الصنع من نوع M75 واللذان بلغ مداهما أكثر من 75 – 85 كم.

6-    وأيضاً ولأول مرة تستهدف المقاومة ما يزيد على عشرة طائرات حربية بمختلف أنواعها، تمكنت من إسقاط أربع طائرات مختلفة.

7-    أظهرت المقاومة قدرة غير مسبوقة على تسديد صواريخها نحو أهداف أكثر أهمية وأكثر دقة مما كانت عليه.

8-    امتلكت المقاومة قدرة نفسية عالية على القتال بحيث أقدمت على ضرب مدن رئيسة للعدو مثل تل أبيب والقدس ورمات غان وهيرتسيليا.

9-  أظهرت المقاومة قدرات قتالية جديدة، حيث لم يعد بمقدور طائرات العدو وعملائه رصد مطلقي الصواريخ، بل أصبحت الصواريخ تُطلق بطريقة إلكترونية ويتم توجيهها عن بعد، وتبين أن معظمها انطلق من مخابئ تحت الأرض.

10-ولأول مرة أيضاً استهدفت المقاومة بارجة صهيونية في مياه غزة وتمكنت من إصابتها.

11-من الواضح أن المقاومة تمكنت من تضليل العدو فيما يتعلق بمخازنها ومنصاتها وأنفاقها. وقد جرّب العدو تكرار القصف على أراضي فارغة يعتقد وفق معلوماته الاستخباراتية بأنها تضم مخازن أو أنفاق أو منصات، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة عن إطلاق صواريخها، وحافظت على كثافة نيران تنبئ بعدم تأثرها بضربات العدو المكثفة.

12-تنامت قدرة المقاومة على رصد أهداف العدو الثابتة والمتحركة، ومن ثمّ استهدافها بصواريخ موجهة ودقيقة، كما حصل في استهداف الجيب العسكري شرق غزة بعمق 3 كم.

13-ظهر للجميع مدى التفاف الشعب الفلسطيني بجميع فصائله حول كتائب القسام والسرايا وسائر أذرع المقاومة، بعد أن حاولت بعض الجهات زعزعة الأمن الداخلي في حرب الفرقان.

هذه التطورات الجديدة تعني:

1-    تصرفت المقاومة بمنتهى هدوء الأعصاب وبرباطة جأش تنم عن ثقة عالية بالنفس.

2-  كثافة إطلاق الصواريخ تعبير حقيقي عن ضخامة مخزون الصواريخ لدى فصائل المقاومة. وهكذا اكتشف العدو ما كان يبحث عنه. لكن اكتشافه المتأخر لا قيمة له لصالح العدو، لأن هذه الصواريخ – والتي بلغ مجموعها حتى كتابة هذا المقال أكثر من 1300 صاروخاً تقريباً- نزلت في ساحة العدو وكُوي بها.

3-  تكرار إطلاق صواريخ الفجر وM75 يشير إلى امتلاك المقاومة الكثير منها تدخره لساعات أكثر شدة، وربما لديها ما هو أبعد مدى تدخره لتفاجئ به العدو في لحظة تقررها.

4-    أصبحت المقاومة تمتلك قدرة على ردع نسبي لسلاح الطيران (الإسرائيلي) الذي كان يستفرد بسماء القطاع على مدار السنين والساعات.

5-  دقة التصويب ونوعية الأهداف التي استهدفتها صواريخ المقاومة تؤشر إلى القدرات القتالية التي اكتسبتها المقاومة خلال السنوات الماضية من الإعداد والتدريب، حيث لم تكن حركة حماس وقوى المقاومة في حالة سُبات في تلك السنوات وإنما في حالة استعداد وإعداد حقيقي.

6-  وحيث أن الجرأة القتالية في استهداف مدن العدو الرئيسة تأخذ منحنى تصاعدياً، فتصبح هذه الجرأة مقدمة لخطوة أوسع منها، حيث من المحتمل أن تنتقل إلى عمليات تحرير مناطق بشكل فعلي. وربما هذا ما تحسَّب له العدو عندما كثّف مدرعاته في أشديروت خشية أن تحررها المقاومة.

7-  استفادت المقاومة من تجربة حزب الله في حرب 2006م في إخفاء منصاتها ومخازنها وأنفاقها، بحيث كرر العدو استهداف أماكن يتوقعها، لكنه لم يتمكن من التأثير على قدرات المقاومة.

8-    أصبح للمقاومة مخالب بحرية بمقدورها إيذاء القدرة البحرية للعدو، ويبدو أنها آخذة في التنامي.

9-    أصبح الشعب الفلسطيني أكثر احتضاناً لمقاومته، وهذا عامل مهم في نجاح أي مقاومة.

ومن جهة ثانية فقد تفاعلت عوامل إقليمية في تعزيز موقف المقاومة وتشكيل ضغط سياسي ونفسي على العدو، تمثلت هذه العوامل في مؤازرة أنظمة الربيع العربي لغزة وزيارات الوفود الرسمية لأول مرة. ومع ذلك فإننا نشهد شللاً عربياً يعجز عن تقديم أي عون حقيقي لأهالي قطاع غزة، مع توفر إمكانيات كبيرة لتقديم نُصرة حقيقية ستكون موضوع مقال آخر.

 

د.عصام عدوان

 

20/11/2012م

 

Leave a Reply