أموال البنك الدولي أداة الغرب لوقف المد الحمساوي

 

التاريخ: 21 فبراير 2013

البنك الدولي ابتز الفلسطينيين بتمويل مشروعات مقابل أجندات سياسية. غيتي

إمعاناً في عزل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، اقترح البنك الدولي خلال اجتماع له في الضفة الغربية قبيل وفاة الزعيم الفلسطيني، ياسر عرفات، تقديم دعم كبير لموازنة السلطة الفلسطينية، وجاء ذلك الدعم تحت زعم مساعدة الكم الهائل من الفقراء الفلسطينيين.

التقينا في مطعم «بوردر لاين»، أو الشريط الحدودي – في الضفة الغربية، أنا وثلاثة شبان من البنك الدولي تلقوا تعليماً جيداً، كنا نتحاور بشأن ذلك الاجتماع الذي عقده البنك الدولي، أخيراً، في منطقة «الرام» بالضفة، كان عرفات توفي للتو في باريس، ولهذا تميز ذلك الاجتماع بحضور كبير بشكل غير عادي، إذ احتشد أكثر من ‬100 من الدبلوماسيين في تلك الغرفة الضيقة. وظلت الظروف المحيطة بوفاة عرفات غريبة بعض الشيء مع كثير من علامات الاستفهام. هل مات لأسباب طبيعية أم تعرض للقتل؟ لقد تغير المشهد السياسي مع وفاته، وأصبح كل شيء مختلفاً فجأة.

أيضاً تأثرت الحالة المزاجية للدبلوماسيين بوفاة عرفات، وأصبح هناك قلق كبير بشان الانتخابات المقبلة. ومع التنسيق مع السلطة الفلسطينية، كان التخطيط يجري للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. لقد بدأت الديمقراطية تلوح في نهاية المطاف من بعيد.

كانت نقطة الانطلاق تتمثل في ان تشارك جميع الأطراف السياسية الفلسطينية في هذه العملية من أجل ضمان انتخابات ديمقراطية، ولوح الرئيس الأميركي بيده لبدء المسيرة الديمقراطية.

كانت هناك أيضاً مخاوف من أن تهيمن «حماس» على الوضع السياسي في المستقبل. ومع ذلك، كان معظم الناس على يقين من أن «حماس» لن تفوز، وأن تأثيرها من الممكن السيطرة عليه، وسيتم السماح للحركة بالمشاركة في الانتخابات مع تهميشها إلى أقصى حد ممكن.

ولضمان تهميش «حماس»، قدم البنك الدولي خلال الاجتماع اقتراحا بدعم الميزانية الشاملة للسلطة الفلسطينية، على ان تستهدف هذه المعونة الفقراء. واتضح من خلال الاجتماع أن هذا الطلب جاء جزئياً من السلطة الفلسطينية بقيادة حركة «فتح»، لكنه فوق ذلك تم تقديمه نيابة عن الادارة الأميركية.

اندهش الكثير منا لهذا الامر، وعقدت الدهشة حواجبنا، هل هذا الدعم من اجل ميزانية السلطة الفلسطينية؟

طلبت إدارة (الرئيس الاميركي جورج بوش) من البنك الدولي «حث أوروبا على دفع تلك الاموال»، لان الكونغرس الأميركي لن يوافق على أي تمويل مباشر للسلطة الفلسطينية.

خلال الاجتماع وزعت علينا وثيقة سميكة، وضخمة. كانت صفحات الوثيقة مملوءة بالجداول والإحصاءات والأدلة. وكانت الوثيقة مملوءة بالبيانات التي تتحدث عن معدلات الفقر المتنامية بسرعة في الريف الفلسطيني، وزيادة أسعار المواد الغذائية، وتكاليف النقل، والبطالة، والمياه باهظة الثمن، ورسوم الكهرباء العالية، وأيضاً شعور السكان المتزايد بوقوعهم وراء جدران عالية.

وأكد البنك الدولي أيضاً أنه من الممكن القول إن السلطة الفلسطينية تسير «على الطريق الصحيح»، ولهذا يمكنها الحصول على هذه الموارد الخارجية. وأصيب الكثير منا بالدهشة هذه المرة أيضاً، فقبل وفاة عرفات كانت السلطة الفلسطينية «بعيدة عن مسارها»، فكيف تغير هذا بسرعة؟ واصبحت «على الطريق الصحيح!». كانت رسالة البنك هي انه لم يعد هناك سبب لمعارضة دعم الميزانية المحتملة للسلطة الفلسطينية.

وفي مطعم «بوردر لاين»، وجهت سؤالي للشباب العاملين في البنك الدولي «ماذا يعني على المسار الصحيح؟ وما الذي يسير على الطريق الصحيح؟ وماذا تغير منذ الاجتماع السابق، ذلك الاجتماع الذي انعقد قبل وفاة عرفات؟».

في ذلك الوقت، كانت الانتقادات لاذعة وقاسية، كانت هناك مطالبة بإصلاحات واسعة النطاق، وفي ذلك الوقت بدا كما لو ان فلسطين كانت تعيش في الظلام، وفي ذلك الوقت أيضاً، تحدثوا عن الفساد، وإساءة استخدام السلطة، والإدارة الغائبة.

حاولت أن أقول لخبراء البنك الدولي الاقتصاديين، خريجي جامعة هارفارد: «صحيح أن عرفات قبل وفاته تمكن من إزالة الأغلفة البنية، وصارت الرواتب يتم دفعها عبر الحسابات المصرفية، إلا ان التغيير كان ضئيلاً للغاية، وان كان هناك تغيير فهو وفاة عرفات، أما ما تبقى فلم تظهر عليه أي علامات تدل على تطور إيجابي»، كانت كل فلسطين لاتزال «خارج المسار».

رمقني الشباب المتعلمون في ملابسهم السوداء بنظرة غريبة، انتظروني في الخارج للحظة، ثم سألوني لماذا لم أفهم ما دار من حديث؟ وقالوا: «ألم تفهم يا ماتس، ان ما كنا نكتبه كان وثيقة سياسية؟ كل ذلك كان سياسة. يمكننا إثبات كل شيء، لا يوجد في فلسطين أي إحصاءات موثوقة نعتمد عليها، لم يكن علينا سوى تغيير أرقام لبضعة أعشار في المائة، واضافة نسب أخرى صعوداً، ونسب اخرى هبوطاً وتغير كل شيء». وأخبرني الرجل في الحلة الزرقاء بان «آخر الخطوات هي ان ننتقي قاعدة سياسية نتأكد أنها آمنة، لتوفير دعم لميزانية السلطة الفلسطينية قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. وبهذا نثبت أننا نسير على الطريق الصحيح، وبهذه الإحصاءات، يمكننا إثبات أي شيء، ولا يستطيع أحد ان يدحض معلوماتنا، واننا لا نحيد عن الطريق الا قليلاً جداً»، وأضاف «نعلم جميعاً أن (حماس) تنمو بسرعة، ولهذا تحتاج منا حركة فتح إلى مساعدة»، ويخاطبونني مباشرة قائلين: «ماتس، لسنا هنا بصدد دعم سكان الريف الفلسطيني الفقراء، ولكننا بصدد مكافحة ما يسمى بالشر».

هؤلاء الشبان الثلاثة من البنك الدولي اجتمعوا في مطعم «بوردر لاين» لإلقاء محاضرة على سويدي ساذج (هو أنا). سويدي يجاهد بشدة ليعرف أن كل ما قيل كان صحيحاً، سويدي كان قبل قليل يعتقد بان تلك الوثيقة السميكة المكتوبة جيدا والمنسوبة الى البنك الدولي ترتكز على بيانات حقيقية، ولايزال يأمل في أن تكون قصة محمد رشيد، والواقع الماثل خلف الجدار في أبوديس يعني شيئاً.

إن قصة «بوردر لاين»، إذا اردنا رواية أحداثها، هي قصة اخرى غير الإحصاءات والجداول. فحيث كنا نجلس تقريباً توجد بوابة تمثل المعبر من القدس الغربية الى القدس الشرقية، هي بوابة «ماندلباوم»، التي أصبحت أخيراً مهملة مثلنا تماماً.

ماتس ستيفنسون – دبلوماسي سويدي سابق يعمل في وكالة التنمية والتعاون الدولية السويدية

المصدر : مجلة الإمارات اليوم

ترجمة: عوض خيري عن «فورين بوليسي جورنا

Leave a Reply