أثر تدبر القرآن الكريم في البناء السياسي للشخصية المسلمة

تدبر القرآن

بقلم المشرف العام

  • الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد…

تدبر آيات القرآن الكريم أمرنا به الله فقال (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ -ص29)، وأشار سبحانه إلى أن القرآن يهدي للتي هي أقوم فقال (نَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرً – الإسراء 9)، وعليه فسنحاول إخراج بعض الصفات التي أشار إليها القرآن والتي تساهم في بناء الشخصية المسلمة سياسياً، حيث أن أنصار ودعاة المنهج الإسلامي أصبحوا اليوم يحكمون في العديد من الدول، أو يشاركون في الحكم وإدارة البلاد:

  • العلم والحكمة أساس الملك والحكم الصالح

بالرجوع للآيات السابقات والتدبر فيها، نلحظ أن الله حينما ذكر إتيانه الملك للصالحين من عباده أضاف له إتيانه أسس القيام بهذا الأمر، وعبر عن ذلك تارة بالحكمة وتارةً بالعلم أو بتأويل الأحاديث، بينما لم يذكر ذلك لغير الصالحين، وإلا صلح ملكهم. إذاً لا بد لكل مسلم يريد الولوج في أمور السياسة، حيث أن إتيان الملك أحد صور ممارستها، عليه التزود بالحكمة والعلم اللذان تؤهله للقيام بعمله على أكمل وجه حتى يتحقق مفهوم التعبد إلى الله بسياسة الناس وقيادتهم، وإلا أصبح ذلك وبالاً عليه يوم القيامة، كما في الحديث الذي رواه ابن المغفل أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : (ما من إمامٍ ولا والٍ بات ليلةً سوداءَ غاشًّا لرعِيَّتِه ؛ إلا حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ) صححه الألباني  (لا بد من الرجوع لمعنى الحكمة والعلم وتأويل الأحاديث)

  • رئاسة قوم جزء من السياسة لا كلها:

يوضح لنا القرآن الكريم بأنه ليس من الضروري أن يكون المسلم حاكماً ليمارس السياسة، فالسياسة لا تعني الملك أو الحكم بالضرورة (َربِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ- يوسف 101)، فسيدنا يوسف لم يكن حاكماً بل كان جزء من منظومة حاكمة ولنلحظ كلمة (مِنَ الْمُلْكِ).

وبتدبر هذه الآية وتدبر معظم آيات سورة يوسف نرى أنه لا بد من أن تكون الشخصية السياسية الصالحة مستعدة دائماً للمساهمة في الرقي بالمجتمع وبنشر العدل والحفاظ على مكتسباته والذود عنه، والتأهب في كل لحظة لبذل ما يمكن لإنقاذه، فبرغم ما أصاب سيدنا يوسف من ظلم القوم له ومكوثه في السجن بسبب ذلك، إلا أنه قَبِل بعدها بخدمة قومه لينقذهم من المجاعة والهلاك وقدم لهم الحل  (يوسف 46-49)

  • اللين والتجميع

التدبر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الطواغيت والظالمين وعاقبتهم تؤدي حتماُ بالمتدبر للبعد عن صفات هؤلاء الظلمة والطغاة والإستعداد النفسي والسلوكي والأخلاقي الدائم للعدل والمساواة بين الرعية واللين لهم والعمل على وحدة كلمتهم وتجميع صفهم، فحينما ذم الله فرعون قال (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ – القصص 4 )، فالآيات توحي بأن فرعون كان عالياً أي متكبراً مستبداً في الأرض، وأنه جعل شعبه طبقات وجماعات، وأنه كان يستغل ويستعبد ويزدري جماعة منهم، والمقصود هنا بني إسرائيل، حيث بعد الرؤيا التي أفزعته أصبح يقتل الذكور من مواليدهم ويُبقي على الإناث منهم، ولذلك نعته الله سبحانه بالمفسد. والله ذكر لنا ذلك لنتعظ، ونبتعد عن مثل هذه السلوكيات، وكأن فعل أيٍ منها هو درب من دروب الفساد. فالشخصية السياسية المسلمة لا بد أن ينبني نهجها على الصلاح لا الفساد، وهي لن تحقق ذلك إلا بالتواضع لا العلو، وبالمساواة والوحدة لا بالتمييز والفرق، وبالحفاظ على أرواح الناس لا بإزهاقها.

Leave a Reply