الإنتصارات الفاصلة تصنعها الهمم العالية والدماء الزكية

زاد الدعاة

الإنتصارات الفاصلة تصنعها الهمم العالية

بقلم المشرف العام

كثيرةٌ هي الغزوات والحروب والإنتصارات التي خاضها الرسول والصحابة والمؤمنون، لكن القليل منها ما رسخ في ذهن معظم المسلمين وتوارثوها تحديثاً وافتخاراً جيلاً بعد جيل، لأن الإنسان بطبعه لا يذكر إلا المواقف الكبيرة الهامة التي تؤدي لتغيير جذري في الأمم والشعوب، كما أن الإنتصارات الفاصلة الكبيرة في حياة الأمم عزيزة، وغيرها كثيرة.

فالإنتصارات الكبرى والفاصلة لا تتحقق في أمة من الأمم إلا إذا كانت أمة متماسكة قوية واضحة المنهج والطريق، لها قيادة حكيمة وقوية وجنود مطيعون، فإن اختل عنصر من هذه العناصر الثلاثة لا يمكن لأمة أن تحقق على أعدائها نصراً كبيراً أو عظيماً أو مفصلياً، أما إن كانت هذه العناصر متوفرة يمكن حينها لأي أمة أو جماعة أو حركة أن تحقق المعجزات.

لقد كان انتصار المسلمين في (بدر) فاصلاً وحاسماً وفرقاناً، لأن جيش المسلمين كان جميع أفراده أصحاب منهج واضح ولهم قيادة لم ولن يشهد أو يعرف التاريخ مثلها، وجنودٌ لم تنتج الأمم مثلهم من حبهم لمنهجهم وقائدهم وطاعتهم له، في المقابل فإن ما حدث للمسلمين في (أحد) فسببه عدم وضوح المنهج عند جزء من الجيش وعدم تشربهم له، ثم بسبب عدم الطاعة القوية من  فئة من الجند للقيادة، وعلى هذا نستطيع أن نقيس كل حدث أو مواجهة وكيف كانت نتائجها!

إن الذي أدى بأهل غزة للصمود في حرب الفرقان، بعد توفيق الله ، وضوح الطريق والمنهج لجنود المعركة أبناء هذا الوطن، وكذلك وجود القيادة القوية الحكيمة لهذا الجمع المبارك على مختلف المستويات، فكانت النتيجة فرقاناً والحمد الله، والحال تكرر في معركة حجارة السجيل وبشكل أقوى لتراكم التجربة كما كان الأمر في فتح مكة.

لقد أشار القرآن الكريم إلى قاعدة مهمة وهي أن المنتصر يلتصق به الكثير من الناس، لاعتبارات مختلفة (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا)، فغزوة حنين كانت بعد فتح مكة مباشرة وجمع لها الرسول ما لم يجمع في غيرها، فكانت النتيجة صعبة ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) – الأحزاب﴾، لكن المعظم ممن خاض هذه المعركة من المسلمين لم يكن الطريق واضحاً لهم بَعد، ولم يكن المنهج قد تمكن من نفوسهم، ولم تكن طاعة القيادة قد تشربتها أفئدتهم كما يجب، فكانت النتيجة كما وصفه الله في كتابه وهي مشابهة لحال المسلمين في (أُحد) لتشابه الأسباب فكان لا بد من تشابه النتائج.

واليوم تعج الساحة الإسلامية بجماعات وحركات ترفع شعار الإسلام وتدعي وصالاً به (وكلٌ يدعي الوصال بليلى)، ولكن كما قال رسول الله (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها او موبقها)، فكلٌ يدعي صحة منهجه وصحة طريقه، وهذا يقتضي تمحيص الصف المؤمن حيث كلٌ يعكس منهجه وأثره عليه، لذلك لا بد أن يتضح للأمة المنهج الأصح والأقوى والقادر على قيادة الأمة قبل اللحوق بسلسلة الإنتصارات الفاصلة التي تحققت على أيدي الإسلاميين، وصولاً للإنتصار الفاصل القادم لا محالة بإذن الله تعالى، وهذا أمرٌ جعله الله سنة كونية سطرها في كتابه العزيز: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)- العنكبوت﴾، فالفتن تطرد الخبث من الصف المؤمن من خلال عملية عنوانها أحياناً سلطة أو جاه، وأحياناً دماء وآهات وسجون وأشلاء، أي أنه لا بد من إيلام كإيلام المخاض يتبعه مولود سوي يشتد عوده كل ساعة وكل لحظة.

أيها العاملون لدين الله، أيها الدعاة إلى الله، أيها الأحرار

لقد أثبتم أيها الصادقون أينما رحلتم وارتحلتم، وفي أي بلد أو قطر كنتم أنكم الأوعى والأقدر والأجدر على حمل لواء الإسلام والذود عنه ونشره وفق منهج رسولكم الكريم وصحابته الأطهار الأخيار، لذلك يرميكم الجميع عن قوس واحدة حتى من يدعون الوصال بدينكم لحسد عشعش في نفوسهم ولهمة وضيعة اعتادتها قلوبهم، ولفهم قاصر تربت عليه عقولهم، وكأني بابن المبارك يناديهم عبر القرون من جديد:

يا عابدَ الحرمَين لو أبصَرتَنا

لعَلِمتَ أنّك في العبادَةِ تلعَبُ

من كان يخضِبُ خدّه بدموعِه

فنُحورُنا بدمائِنا تَتَخَضَّبُ

أو كانَ يتعِبُ خيلهُ في باطل

فخيولُنا يومَ الصبيحَةِ تتعبُ

ريحُ العبيرِ لكُم ونحنُ عبيرُنا

رهَجُ السنابكِ والغبارُ الأطيَبُ

ولقد أتانا من مقالِ نبيّنا

قول صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ

لا يستوي غبارُ خيل اللَه في

أنف امرىءٍ ودخانُ نارٍ تلهبُ

هذا كتابُ اللَه ينطق بينَنا

ليس الشهيدُ بمَيّتٍ لا يكذبُ

البعض يدعون أن منهجهم هو منهج السلف والصحابة والرسول، وهم منهم براء، لأن هؤلاء – أي الصحابة – نشروا العدل لا الظلم، والخير لا الفساد، والأمن لا الخراب وضحوا وقاوموا وقدموا وصبروا، وتعدوا الحدود والبلدان وامتطوا خيولهم وامتشقوا سيوفهم وهجروا أغلال الذل والعبودية لغير الله، ففتحوا العقول قبل الحدود وامتلكوا قلوب العالمين فكانوا خير جنود لخير قادة، وأعظم البشر همماً، وأنبلهم خُلُقا، كان شعارهم :

وكنا حين يأخذنا وليٌ              بظلم ندوس له الجبينا

والبعض الآخر يدعون حرصهم على أوطانهم وهم يدمرونها لأن منهجهم منهج فساد لا منهج إصلاح، قدوتهم شهواتهم ودوافعهم مصالحهم، قبلتهم دينارهم، وقادتهم شياطينهم، فهم أهل الباطل والفساد، لأنهم يحرصون على الباطل، وينتفعون بالفساد، لذلك من الطبيعي أن يعادي هؤلاء الدعوة، ويُجابِهونها.

كل هؤلاء يجتمعون تحت راية الباطل وتحت تحالف الشر في العالم وتحت لواء الشيطان، وإن طالت لحى البعض منهم، وتعددت شهاداته العلمية الشرعية ليأكل من ورائها خبزاً، وإن تشدق العديد منهم بالقومية والليبرالية والحرية وكلها منهم براء.

أيها العاملون الصادقون

أبشروا بنصر الله القريب وبقرب حلول الفجر ما دامت همتكم عالية ونفوسكم بقيادتكم واثقة، وعقولكم وأجسادكم للذود عن دينكم وأوطانكم متهيأة، فالنصر يقترب منا كل لحظة، فلا تنخدعوا بالصورة التي أمامكم لأنها صورة الغش والخداع لا صورة الحقيقة، فاستمروا في طريقكم وداوموا على رباطكم في المحاريب والثغور وحلق الذكر، وعضوا على دينكم بالنواجذ، وأروا ربكم ما يرضيه عنكم، وأروا أمتكم من أمركم ما يزيدها تشبثاً بمنهجكم وطريقكم، فما عدا الحق فهو زاهق، ولله دركم فكأن الشاعر ينادي كل واحد منكم – أيها الأحرار – وهو يقول :

قد هيّؤوكَ لأمرٍ لو فطنتَ لهُ *** فاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهملِ
وأنتَ في غفلةٍ عمّا خُلِقتَ لهُ *** وأنتَ في ثقةٍ من وثبةِ الأجلِ
فزَكّ نفسكَ مما قد يدنّسُها ***     واختر لها ماتَرَى من خالصِ العملِ
أأنتَ في سكرةٍ أم أنتَ منتبهاً *** أم غرّكَ الأمنُ أم أُلهيتَ بالأ

أيها المشتاقون إلى الجنان:

هيأوا أنفسكم للإنتصارت القادمة المفصلية والتي لن يجريها الخالق إلا على أيدي أولي العزم من المؤمنين، ومن غيركم أهلٌ لمثل هذا؟ فمنهجكم منهج رسولكم العظيم، وقادتكم الشرع يقودهم، وأنتم الجنود العز يحيط بكم ورضى الله هدفكم، فأبشروا واستعدوا بهممكم العالية همم أصحاب الفردوس الأعلى، همم أهل عليين، همم المبشرين بالجنة من صحابة رسول الله، همم القادة العظام عبر التاريخ، همم من يستحق هذا النصرن فابقوا كبراء بإيمانكم لتستحقوا نصر الجبار المتكبر ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ – النور 55﴾

Leave a Reply