الرجولة الإيمانية

القادة

بقلم المشرف العام

كثر هم الرجال لكن قلة منهم من يحفرون أسماءهم في سجل الخالدين، وهذه القلة لم ترض من الرجولة الصفة الذكورية المعهودة، بل علمت أن الرجولة مبادئ وقيم وتضحية وإصرار وثبات وعزيمة صادقة.

إن من الناس من يعيش لنفسه، فتذهب ذكراه مع إهالة أول حفنة تراب عليه في قبره، وهؤلاء هم الكثرة، ولكن القلة القليلة التي تعيش لغيرها وتضحي من أجل مَن حولها، ومن أجل عقيدتها ودينها ووطنها، وهؤلاء لا يموتون إلا بأجسادهم لكن أفعالهم وأفكارهم وتضحياتهم وآثارهم تبقى خالدة إلى أن يشاء الله.

لقد أنجبت البشرية بلايين من البشر، لكن القلة القليلة التي بقيت ذكراها خالدة في تراث وذاكرة البشرية، وهؤلاء صنفان، صنفٌ خلدتهم البشرية في خلد ليتعظ بهم من يأتي من ورائهم، فيبعدوا عما فعلوا حتى لا يقعوا فيه كتخليد اسم أبي رغال وأبرهة الحبشي والسامري وفرعون وهامان وأبي لهب وأبي جهل، والفريق الآخر على عكسهم لأنهم يُخلّدون ليكونوا لغيرهم نبراساً  يضيء لهم الطريق كالسادة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة، وسحرة فرعون الذين آمنوا، وزوجة فرعون، ومؤمني آل فرعون وأل يس، والفتية اصحاب الكهف، وغيرهم الكثير.

فالرجولة بمفهومها الحقيقي، لا الذكوري فقط، تظهر في مجموعة ضئيلة فقط في كل عصر من العصور، لأن ثمنها لا يستطيع دفعه إلا القلة القليلة، ولقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج عديدة من الرجال أصحاب العزم والتضحية المتولد من فهم لطبيعة المرحلة ومن عقيدة صحيحة ثابتة وراسخة كالجبال، فهاهو القرآن يحدثنا عن مؤمن آل ياسين ]وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ[ (يس 20)، ويحدثنا كذلك عن مؤمن آل فرعون ]وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ[ (غافر 28)، وذكر لنا موقف سحرة فرعون من تهديد فرعون لهم بعدما آمنوا : ]قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ[ (طه72)

إن الرجولة تتحق بالسعي لنصرة الدعوة والذود عنها وعن الدعاء، وتتحق بالدفاع عن المنهج الرباني وعن من هو رمزاً له ويحمله، وتكون باستخدام الحجة والعقل في الذود عن الحق ونشر دعوة الله وتحدي الطواغيت، وبكتم أسرار الأمة والدعوة، وتتحقق الرجولة حين يكون الفهم صحيحاً لمآلات الأمور ولطبيعة الدنيا ومقارنتها بالآخرة : ] إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ  * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ [ (طه 74-76)

والرجولة تعني الطهارة الإيمانية بالكيفية الإلاهية حيث بطهارتهم هذه تتقدس – كذلك – الأماكن وتطهر وتسموا بميزان الله إكراماً لهم، بعكس المنافقين :  ]لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ[ (التوبة 108)

المفوم القرآني للرجولة

لقد أوضح القرآن من خلال الآيات مفهوم الرجولة التي يرضاها الله من عباده المؤمنين، حيث ليست الذكورية المقابلة للأنوثة، ولكنها المسؤولية: ]الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ[ النساء 34. ]قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ[ هود 78.

وهي كذلك التطهر والتزكي كما بينت الآية السابقة من سورة التوبة (108).

ثم هي الجدية والتعالي على حظوظ النفس: ]رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ[ النور 37.

كما أن الرجولة هي الوفاء والصدق: ]مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً[ الأحزاب 23.

وهي أيضاً القوة والتوكل: ]قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[ المائدة 23.

كما هي الإيجابية والفاعليّة: ]وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ[ القصص 20. ، وكما وضحته آيتي سورتي يس وغافر.

ونخلص مما سبق أن الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور وتبعده عن سفاسفها، وهي قوة تحمل صاحبها على أن يؤدي واجبه نحو ربه ، وواجبه نحو نفسه ، وواجبه نحو أهله ودينه وأمته ، وهي حفاظ على النفس من أن تكون ألعوبة في أيدي الأهواء والفتن والظلمة.

رجال صنعهم الإيمان

لقد كان الإيمان يصنع رجالاً في كل حقبة من حقب التاريخ، يتركون بصماتهم الخالدة قبل رحيل أجسادهم، ليبقوا بين المؤمنيين وحولهم، فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية صنيعة الإيمان تُخلِّد كلماتُه ذكراه، فيقول : ماذا يفعل أعدائي بي، فقتلي شهادة، ونفيي سياحة وسجني خلوة، فأصبح قدوةً لمن خلفه إلى أن يشاء الله.

وها هو صنيع الإيمان الأستاذ الهضيبي – رحمه الله – يرد على البعض الذين جنحوا للرخص في موالاة الظالم ظاهرياً للخروج من المحنة، فرد عليهم بكلمات المؤمن الواثق القائد : “إن الدعوات لا تقوم على الرخص. وعلى أصحاب الدعوات أن يأخذوا بالعزائم. والرخص يأخذ بها صغار الرجال، وأنا لا أقول بالأخذ بالرخص، ولكن أقول لكم خذوا بالعزائم فاثبتوا وتشبثوا بالعزائم”.

ولقد مرّ علينا ذكرى رحيل ثُلة من القادة العظام الذين صنعهم الإيمان، وشكلت عقولهم وتصرفاتهم آيات الرحمن وكلام المصطفى العدنان، نعرض لبعض أقوالهم الخالدة التي تضيئ الطريق للمؤمنين بعدهم، فها هو المعجزة التي صنعتها الإيمان، شيخنا الشهيد القعيد أحمد ياسين، يرسم آفاق الطريق بنظرة إيمانية ثاقبة، فيقول : “معركتنا مع العدو الصهيوني انتقلت من جانب الحجر إلى جانب القنبلة والرشاش والقذائف إلى آخره ..وستتطور في المستقبل على مستوى التحدي مع العدو الصهيوني لأنه لا يجبره على التنازل إلا أن يقدم خسائر كبيرة تضطره الى التنازل والتسليم”..

وها هو المفكر الفذ الذي شكل الإيمان فكره وعقله، الدكتور المقادمة يسطر للتاريخ قواعد إيمانية، فيقول :  “إن دماء الذين سقطوا لن تذهب هدرًا، وإن كنت أشد ما أخشاه ضياع هذه الدماء حتى أصبحت كابوسًا أعيش فيه حتى ألهمني الله رشدي؛ فإن هذه الدماء هناك من يقدِّرها وهو الله- عز وجل- ولن يستطيع أحد تجاوز هذا الخط وتبديده؛ لأن الله وعد ووعده الحق: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ (التوبة: 39).

وصنيعة أخرى من صنيعة الإيمان، يطل علينا إنه الأسد الهصور الرنتيسي، وكأنه كشفت له حجب الغيب بنظراته الإيمانية الثاقبة، حي سطر كلماته الخالدة  : سننتصر أيها الإخوة لأن قادة حماس من النساء جدن بفلذات أكبادهن أم أحمد وأم محمد حلس نعم وأم محمد فرحات أم نضال جدن بفلذات أكبادهن ودعن أولادهن وهم يذهبون إلي الشهاده سننتصر يا بوش سنتتصر يا شارون وستعلمون ذلك غدا بإذن الله وكتائب القسام تزلزلكم في حيفا في “تل أبيب” تضربكم في صفد في عكا لأننا أحبابنا لا نفرق بين فلسطين وفلسطين فيافا كغزة وتل الزهور كرفح والجليل كالخليل لا نفرق بين شبر وشبر من الوطن”.

كن صنيع الإيمان

عليك أن تكون صنيع الإيمان وأن تحفر لك إسماً في سجل الخالدين كما فعل أسلافنا، وكما قال الشاعر:

حب السلامة يـــثني عزم صاحبــه **** عن المعالي, ويغري المرء بالكســل

فــإن جــنــحـــت إلــيه فاتــخذ نفقاً **** في الأرض أو سلّماً في الجو فاعتزل

ودع غــمار العــلى للمـقدمين على **** ركـــوبها, واقــتـنـع مــنهـن بالــبلـل

رضى الذليل بخفض العيش مسكنةٌ **** والـــعزُّ عــند رســيــم الأيـنـق الذُّلُلِ

Leave a Reply