شهر رمضان… زاد للدعاة

ramadan

الحمد لله الذي أكرمنا بأن جعل لنا في دهرنا نفحات، وجعل منها شهر رمضان المبارك، وجعل فيه ليلة القدر، والصلاة والسلام على مبلغ رسالته، والشفيع في أمته، وقدوة الدعاة لدينه، صلى الله عليه وسلم، وبعد…

(قد جاءكم رمضان، شهر مبارك..) بهذه الكلمات خاطب النبيُّ – عليه الصلاة والسلام – صحابته والأمة من بعده، استبشاراً منه بقدوم شهر القرآن، ليهيئ المسلمين لحسن استقبال هذا الضيف الكريم والإستعداد له، فكان السلف الصالح يتهيأ لقدومه، سيراً على خطى رسول الله، فها هو يحيى ابن كثير كان إذا أقبل شهر رمضان دعا ربه قائلاً: (اللهم سلمنا إلى رمضان، وسَلّم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلا)، فهو شهر البركة ؛ بركة الطاعة وبركة الأجر والثواب، وبركة المال والصحة، وبركة الوقت.

لقد كان الرسول وصحابته وسلف الأمة يُقَدِرون لرمضان قَدره، كيف لا وقد أخذ الشهر هذا الشرف لأن الله أنزل فيه القرآن!، فعلموا أن عظمة شهر رمضان من عظمة القرآن، وعظمة القرآن من عظمة مُنَزِلِه – سبحانه، فمن عَظّمَ رمضان فقد عَظّمَ القرآن، ومن عظم القرآن فكأنما عظم الله سبحانه، فالذي يديم تعظيم الله وكتابه هو من يديم تعظيم شهر رمضان، فتراه منكباً بين يدي كتاب الله قارئاً ومتفحصاً ومتفهماً وشارحاً ومطبقاً ومتدبراً، فإذا بانسجام بينه وبين هذا الشهر، فبِقَدر فرحه به بِقَدر حزنه عل كل يوم يمضي منه لأنه حزن فراق الأحبة، ولوعة شوق فراق المحبوب لحبيبه، فيأبى الداعية إلا وأن يزيد في إكرام ضيفه قبل رحيله، فيشمر عن ساعديه أكثر في ثلثه الأخير، ويشد مئزره، ويمكث في مسجده ومصلاه بين دفتي كتاب الله وفي محراب رسوله، فلا المال والتجارة ولا الولد ولا الزوج ولا أي شيء من حطام الدنيا يكافئ لوعة واحدة من لوعات هذا الشوق، حيث شهدت عليه –أي الشوق- ملائكة السماء والأرض في ليلة مهيبة، تئط فيها السماوات وحقٌ لها أن تئط (هي خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم)، فشهدت على بكائه وتضرعه وإخلاصه وحرقة شوقه لمُنزِلَ هذا الكتاب، ولصحاب الرسالة من بعده… فيا له من شوق محرومٌ منه الكثير الكثير من الناس!

لقد علم الداعية أن شهرَ رمضان شهرُ اكتشاف حقيقة نفس الإنسان المؤمن ومدى التزامها بمنهج ربها، فقد كفاه الله أحد عدويْه، وهو الشياطين (فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين)، ويبقى العدو الآخر، وهو نفسه (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)، فتنكشف النفس في هذا الشهر على حقيقتها، فلم تعد تتستر على أفعالها السيئة بالشياطين، بل هذه الأفعال هي مصدرها لأنها نسيت منهج النبي في تقويمها (والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به!)، فتنتفض نفس الداعية الهمام صاحب الهمة العالية والهدف السامي، فيعزم على تأديب هذه النفس وقصرها على الحق قصرا، فيصدق في الحديث، ويُمسك لسانه عن التحدث بما لا يُرضي ربه، ويُكثرُ من صلة أرحامه، ومن عطفه على إخوانه، ومن خفض الجناح لأولياء ربه، ويزداد تمسكاً بمنهجه واعتصماً بقرآنه، ويشدد عزمه ويوثقه لنصرة دعوته المباركة، فهي بوابته لكل خير وطريقه لكل طاعة، فإذا رحل الضيف الكريم – شهر رمضان – لم يعد للشيطان مكان فتردعه نفسه، ويهزمه إيمانه، فيبقى شامة ناصعة بين الناس، يُحِبُ ويُحَب، يألفُ ويُؤلَف، المحراب مكانه، والقرآن سلوته، والجنة هدفه، والشهادة أمنيته، والجهاد سبيله، كله أمل أن تتعانق روحُه مع أرواح شهداء بدر وفتح مكة وعين جالوت، وكأن حاله يقول : وعجلت إليك ربي لترضى.

أيها المؤمن المجاهد

    إنك تعلم أن لا جهاد للعدو إلا بعد جهاد النفس، ولا جهاد للنفس دون الزاد الإيماني، وأي فرصة أعظم من هذا الشهر العظيم لهذا الزاد القويم؟… لقد أكرمنا الله بشرف الزمان، فكل أيامِ شهر رمضان أيامٌ يضاعِفُ الله فيها الأجر، وشرف المكان نحصله بكثرة المكوث في المساجد، حيث بيوت الله، وملتقى الملائكة ومجالسهم، وأولياء الله وخاصته. فالأجر من الله متعلق بشرف الزمان والمكان والنفس، فشرف الزمان محقق في هذا الشهر، وشرف المكان تحقيقه يكون بالمكوث في المساجد، أما شرف الإنسان فكلٌ وزادُه، وكلٌ ورصيدُه عند ربه، وكلٌ وتهذيبُ نفسه وتأديبها، فلا أعظم من نعمة هذا الشهر العظيم، ولا أفضل من صيامه، ولا أنجع من التزود بالتقوى فيه، ألم نسمع بالأصحاب الثلاثة اللذين كانوا إخوة متحابين، جاهدوا سوياً وتعبدوا سوياً، فاستُشهد أحدُهم في المعركة، وبعد عام تُوفيَ الآخر على فراشه، فإذا بثالثهم يرى في المنام منزلة المُتوفَى أعلى من منزلة الشهيد في الجنة، فيهرع لرسول الله، يسأله عن السبب، فيجب عليه الصلاة والسلام: (أليس صلى بعده كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه، فالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض!)، أيُّ عظمة لك عند ربك أيتها الأركان! وأيُّ مقام لك عنده أيتها الصلوات! وأيُّ منزلة لك يا شهر الصوم! أيُّ كرم هذا منك أيها الكريم!

هل بقي لنا عذر – بعد كل هذا- لنزهد أو نضعف أو نتخاذل أو نكسل أو نرقد؟

أيها الداعية… شمر عن ساعديك وامتشق الإخلاص والصبر والهمة العالية، وارم الدنيا وهمومها وأثقالها خلف ظهرك وانطلق نحو ربك، واجعل شعارك (وعجلت إليك ربي لترضى)، حينها أبشر بِعِظَمِ الجزاء ووفير الثناء من رب الأرض والسماء.

” تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال”

Leave a Reply