الإنسان في العالم الإسلامي بين مشروعين

المهندس بدر الدين حمدي مدوخ

العالم العربي والإسلامي  تتنافس فيه قوتان رئيسيتان ، وكل قوة خلفها مشروع ضخم هما : المشروع الإسلامي والمشروع الغربي، فالمشروع الإسلامي طموحه ومبتغاه إعادة الوحدة الإسلامية للأمة ضمن جامع لها تسمى الخلافة، والمشروع الغربي طموحه البقاء مسيطراً على العالم الإسلامي وإبقائه ممزقاً ومفرقاً ومتناحرا، للتمكن من السطو على مقدراته الضخمة وليبقى تحت سيطرتها فلا يملك من مقومات القوة والنمو شيئا.

هذا الصراع بين المشروعين ليس جديداً بل عمره لا يقل عن خمسة قرون منذ نشوء فكرة الحروب الصليبية المجرمة على العالم الإسلامي والتي لم تستطع النيل من الأمة الإسلامية ووحدتها إلا القليل حتى خلصت لنتيجة مهمة وهي أن ضعف العالم الإسلامي والسيطرة عليه تكون بتفريقه وتمزيقه وإلغاء رمز وحدته الجامعة وهي الخلافة الإسلامية، فعمدوا لقتل الرجل المريض وتقسيم تركته، ولكن الأهم اتخذوا خطوتين جوهريتين لمنع أي قيام للخلافة من جديد : الأولى زرع الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، والثانية العمل على إنشاء الدولة الوطنية الحديثة – حسب زعمهم.

والدولة الوطنية الحديثة لكي يستقر الحكم فيها، فلا بد لها من عدم الإقتراب من خطوط حمراء ثلاث رئيسة، هي: تهديد أمن الكيان الصهيوني، بل لا بد من المساهمة في حفظ أمن هذا الكيان، ثم عدم التفكير بوحدة الأمة أو الدعوة لها، وأخيراً عدم تحكيم الشرع الإسلامي بشكله الصحيح أو نشر مثل هذه الثقافة ؛ وعليه فإن الإقتراب من أي الخطوط الرئيسة الثلاث سيؤدي حتماً لتصدي له بكل قوة ويتم استخدام وسيلة الترويض ثم الإحتواء ثم الحصار ثم الإستئصال.

مما سبق يتضح لنا السبب الحقيقي للهجمة على جماعة الإخوان المسلمين خاصة – بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معها – فهي الجماعة الوحيدة التي يستطيع الباحث أن يجد وبوضوح ضمن برنامجها ومنهجها خطوات واضحة ومتراكبة لعودة الوحدة للأمة الإسلامية وإعادة الريادة لها، وهو ما يسميه مؤسسها البنا ” أستاذية العالم” ؛ وربما انتبهت بعض النظم القائمة في المنطقة حينما اقتربت الجماعة من تحقيق آخر مرحلتين من مراحل إعادة الخلافة الإسلامية بعد الربيع العربي ومن بعد ثقة أغلبية الشعوب العربية بالإسلاميين وخاصة الإخوان المسلمين لقيادتهم وإدارة شئونهم وهذا ما سيهدد بكل تأكيد النظم الحاكمة وخاصة الخليجية منها وإن كان بدرجات متفاوتة.

لقد تقاطعت معظم مصالح الأنظمة العربية الحاكمة مع المصالح الأوروبية ومع مصالح إيران الشيعية وبعض الجماعات الإسلامية – إسماً- في خطورة مشروع الإخوان المسلمين الذي يسعى لإعادة مجد الأمة الإسلامية وإرجاع مفهوم الأمة الواحدة ضمن المنهج القرآني والنبوي، وخصوصاً حينما بدأ تغيراً ثقافياً مجتمعياً يحدث في الأقطار التي يديرها الإخوان المسلمون أو من ينهجون منهجها كما حدث في تركيا أردوغان، ومصر مرسي، وفلسطين حماس، وتونس النهضة، وغيرها.

لقد تجاوزت جماعة الإخوان المسلمين الخطوط الحمراء فهي لم تقبل لا ثقافة وأخلاقاً ولا عروبة بدولة الكيان الصهيوني أو التعاون معها، ثم عملت على نشر ثقافة الأمة الواحدة والدعوة لها، وعملت كذلك على إرجاع الشرع للحكم وإن كان تدريجياً حيث مهدت الجماعة لجعله الملاذ الوحيد لكل مسلم حسب فلسفتها وأيدولوجيتها.

لقد عمل الغرب من خلال مسارات عديدة  على التصدي للمشروع الإسلامي الذي يرى الغرب في نجاحة نهاية المشروع الغربي قي المنطقة بل في العالم، ومن هذه المسارات برز ثلاثة مسارات رئيسة: الأول العمل بكل الطريق على إفشال الإسلاميين حيثما حكموا ولو بالقوة كما حاولوا في فلسطين، وكما حاولوا في مصر ونجحوا وكما حاولوا وما زالوا يحاولون في تركيا ولم ينجحوا ؛ العمل على شيطنة الإخوان المسلمين لينقلب الناس عليهم وينفضوا من حولهم، وثالثها تشويه مفهوم الخلافة من خلال إيجاد جماعة تعلن الخلافة وتقوم بأفعال تكره الناس بالإسلام ثم يقضي الغرب على هذه الجماعة وتبقى الصورة السوداء في مخيلة العوام والسذج.

لقد وجد الغرب في حربه للمشروع الإسلامي، وجد له أعواناً أكثر حماساً منه كمعظم الأنظمة الخليجية وإيران والعلمانيين والقوميين والنصارى العرب وبعض الجماعات الإسلامية الساذجة سياسياً، وهذا يجعلنا نقول أن كل إنسان في منطقتنا الإسلامية عليه أن يحدد مع أي المشروعين هو؟ بغض النظر عن الإنتماء أو الديانة أو الأيدلوجية!

إن النظر في التفاصيل والجزئيات والوقوف عليها والغوص فيها وتصيد الأخطاء لمن همه المشروع الإسلامي هو أحد أساليب أعدائه مع أنهم يمارسون أسوأ مما يمارسه خصومهم أضعافاً مضاعفة وهذا ما نراه في مصر الآن وغيرها، فمعاداة جماعة الإخوان المسلمين أو اتهامها بالإرهاب أو التشفي بمن يحمل أفكارها – كما يحدث لغزة الآن وتشفي العديد من الأنظمة العربية فيها – هو محاربة للمشروع الإسلامي الذي يهدف لإرجاع مجد الأمة الإسلامية وجعلها كياناً واحداً، وأخشى أن يكون محاربة المشروع الإسلامي هو محاربة للإسلام نفسه، لأنه لا يشك أي مسلم أن استرجاع الوحدة الإسلامية وإعادة اللحمة للأمة الإسلامية وتحرير أوطان المسلمين وتحكيم الإسلام هو ما يطلق عليه الفقهاء المعروف الأكبر والذي بدونها لن يكون للإسلام قائمة لأن الإسلام لا يمكن العيش في كنفه بشكل متكامل إلا بهذه الأمور الثلاثة.

Leave a Reply