إن إبراهيم كان أمة

إبراهيم

يسم الله الرحمن الرحيم

 

“إن إبراهيم كان أمة”*

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على من والاه إلى يوم الدين ، وبعد..

نعيش هذه الأيام أجواء موسم الحج ، ذلك الركن الخامس للإسلام ، وهذا الركن هو من الأركان التي بقيت مما كان عليه الموحدون والعرب في الجاهلية و إن اختلفت أركانه و آدابه ، حيث أن البيت الحرام لم و لن ينفك الناس من الطواف حوله ، لأن سيدنا إبراهيم دعا الله فقال “واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم” ، فموسم الحج يذكرنا بأبي الأنبياء و الذي كان و سيبقى رمز التوحيد الخالص لله ولذلك وصفه الله في كتابه فقال: “إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً و لم يك من المشركين” ، فما الذي يا ترى فعله إبراهيم ليحظى بهذا اللقب العظيم الشريف ، و الذي يضم كل صفات الخير و الرشد!

روى عن ابن عباس أنه قال: كان عنده من الخير (أي إبراهيم) ما كان عند أمة، أى جماعة كثيرة من الناس. وقال مجاهد: سمى – عليه السلام – أمة لانفراده بالإِيمان فى وقته مدة ما. وفى صحيح البخارى أنه قال لزوجته سارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك. أنظر الوسيط في تفسير القرآن للشيخ الطنطاوي و تفسير الإمام الشعراوي رحمهما الله

و هنا نريد أن نحاول معرفة كيف حظي إبراهيم عليه السلام بهذه المرتبة ، أي أنه كان أمة!

الإنسان بطبعه تقف في طريق توحيده لله عدة أمور ، تنازعه حب الله و مكانته سبحانه في قلبه ، و بقدر تجرد الإنسان من هذه الأمور و تجرده لله ربه ، بقدر ارتفاع منزلته عند الله يوم القيامة ، و بقدر ما يدخل في معية الله سبحانه “إن الله مع الذين آمنوا و كانوا يتقون” وسيكون من الناس من سيحشرون مع الأنبياء لعظمة قدرهم عند الله بسبب خلو قلوبهم من أي حب عدا حب الله سبحانه ” أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، ذلك الفضل من الله و كفى بالله عليما “ ، فيا ترى أين نحن مما عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام؟

سيدنا إبراهيم اختبر من قبل الله بكل ما يمكن أن يختبر به إنسان ، اختبر بشهوة الزعامة ، وشهوة حب الوطن و المنشأ ، وشهوة حب المال ، و شهوة حب الولد ، بل بشهوة حب الراحة كذلك لكنه تخلص من كل هذا ، ولم يترك مكاناً في قلبه إلا لله وحده فكان أمة بحق.

شهوة حب الزعامة

سيدنا إبراهيم كان أبوه آزر سيد قومه ، ومن الطبيعي أن يكون وريث أبيه في الحكم! لكن إبراهيم ترك هذه الزعامة حباً في الله و طمعاً في إخلاص توحيده له. كم من المسلمين اليوم بل من الدعاة كذلك من يسيل لعابه لمنصب هنا أو هناك ، و لدرجة أو ترقية! كم من الناس من يمكر بغيره و يظلم غيره و يكيد له الدسائس تزلفاً لرئيس أو وزير أو ملك أو مسئول! إنها آفة خطيرة تصيب الكثير إلا من رحم الله! بل إن هناك من ينقلب على دعوته و حركته و إخوانه طمعاً بمغنم هنا أو هناك أو بحجة الإصلاح دون الرجوع لإخوانه أو موافقتهم! كان يمكن لسيدنا إبراهيم أن يخفي إيمانه و ينتظر حتى يصبح مسئول قومه بعد أبيه و يجبرهم على التوحيد! إلا أن سيدنا إبراهيم شأن أي رسول و شأن ورثة الأنبياء من العلماء و الدعاة لا يمكن أن يؤخر نصحه للناس و لا يمكن أن يتأخر عن أوامر به بالتبليغ! فهو لم يكن ليعلم من يعيش أكثر هو أو أبوه! ثم لم يكن ليتحمل وزر هؤلاء الذين يموتون و لم يدعوهم للتوحيد!

إذاً تخطى إبراهيم شهوة الزعامة و ضحى بها ابتغاء مرضاة الله سبحانه ، و نذكر بما جاء في الخبر : “من ترك شيئاً لله أبدله الله خير منه” ، و كأني بسيدنا إبراهيم قد مزج لذة التوحيد في قلبه مع لذة شهوة الزعامة ، فعلت لذة التوحيد و تهاوت لذة الزعامة ، وهذا ما فعله سيدنا بلال رضي الله عنه حينما كان يمزج لذة التوحيد بآهات التعذيب فتغلب لذة التوحيد فينطقها مدوية أقوى من سياط و أصوات جلاديه : أحدٌ أحد.

شهوة حب البقاء و الخلد

ثم إذا بسيدنا إبراهيم تأتيه شهوة حب البقاء و كراهية الموت ، و حب الوجود لأطول فترة ممكنه ، وهي من أعظم الشهوات و العوائق التي تواجه الدعاة و العلماء و العاملين في الحقل الإسلامي! فحب الحياة و حب البقاء و نسيان أن ذلك بيد الله توصل الإنسان لكوارث جلية على صعيد العلاقة مع الله و النكوص عن درب الحق لدرجة الخيانة أحياناً ، بل قد يقع بها البعض لشهوة الحرية و النساء ، ألم يقل الرسول صلى الله عليه و سلم ( ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)!

يريد قومه أن يقتلوه شر قتلة ، ويحرقوه في النار ، فيجمعوا الحطب لأسابيع و يشعلونها أياماً و هو ينظر و يرقب فعلهم، ويصنعوا المنجنيق ليرموه به – عليه السلام – ، فما أعظمها من فتنة و أشدها من قتلة و ما أحقده من انتقام! كان بإمكانهم وضعه في الحطب قبل إشعاله ، وكان يكفي القليل منه ليحرق بشرا ، لكنها عظم الفتنة و روعة العظة و العبرة! كان يمكن لإبراهيم مداهنتهم “ودوا لو تدهن فيدهنون” ، كان يمكن أن يفر ، لكنها ضريبة الحق و زكاة الهداية (لكل شيء زكاة) ، فالموحد لله لا يعرف التراجع و لا التخاذل ، و الكل ينظر إلى صنيعه ، فبالتضحية تبنى المواقف و بها تعرف الرجال و تمتحن الأفكار و بثمرتها تنتشر الدعوات ، ولا طريق إلا هذا ، فاعتبروا يا حملة اللواء ، ويا جند الإسلام!

لكن إبراهيم يتوكل على الله و يدرك أن الله لن يخذله ، وأن ما عند الله خير و أبقى ، وأن المنزلة الحقيقية هي منزلة الآخرة لا الدنيا! فيرمى بالمنجنيق في نار تشتعل منذ عدة أيام ، وهو في طريقة للنار بعدما رموه بالمنجنيق يأتيه جبريل عليه السلام فيقول له: ألك منا حاجة؟ فيقول أما منك فلا ، وأما من الله فنعم ، فيستجيب الخالق سبحانه “فقلنا يا نار كوني برداً و سلاماً على إبراهيم!”.

تتغير سنن الكون من أجل موحد واحد ، هو إبراهيم ، وتتغير القوانين لإنقاذ دعوة الله سبحانه! إنها قدرة الله سبحانه ، فالكون يسير بقوانين و سنن وضعها الله لينتظم الكون ، ويبدلها سبحانه حينما يشاء لحكمة هو يعلمها سبحانه. لقد حدثنا التاريخ عن الكثير من هذه النماذج و إن بتفاوت ، و لعل أشهرها إنزواء الأرض لسيدنا عمر بن الخطاب و هو على المنبر ينذر جيوشه بقيادة سارية و هي في العراق و هو رضي الله عنه في المدينة ، فقال: يا سارية الجبل يا سارية الجبل! و تخرق القوانين بأمر من الله فيسمع سارية صرخة عمر و يحتمي بالجبل فيكتب الله النصر للمسلمين! و ليس بعيداً عن أذهاننا قصة الإسراء و المعراج!

إن الله وضع القوانين و السنن في الكون لينتظم الكون و ليتهيأ لعبادته ومن فيه لله ، فالموحد لله يتناسق مع كل ما في الكون و يشترك معه في التسبيح “و إن من شيء إلا و يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم” ، و لذلك لا يجوز لموحد و لا لمصلح و لا لداعية أن يشعر بالوحدة و الغربة و لو كان وحده في هذا الكون فقط ، وما كان ليشعر الدعاة و العاملون بأنهم وحدهم بل كل الكون متناسق معهم و الشاذ هم غير الموحدين و غير العاملين.

فتتحول النار من مؤذية لحاضنة ، لدرجة أن العيش فيها كانت ألذ فترات حياة إبراهيم عليه السلام ، ولو سألنا الدعاة الصادقين و العلماء العاملين لوجدنا أن أعذب حياتهم و هم يتنقلون هنا و هناك بين جحيم الدنيا و شهواتها ينشرون دعوة ربهم و يتلذذون بما يلاقونه من عذابات في سبيل أعظم محبوب ، مستذكرين قول قدوتهم إبراهيم “فمنك فلا و لكن من الله فنعم” . فتصبح النيران برداً و سلاماً أي صاحبة مناخ يناسب ما يحتاجه الجسم ليبقى دون أذى من ارتفاع درجة الحرارة أو انخفاضها.

و لم يبق بعدها أمام القوم الكافرين إلا الاعتراف: “نعم الرب ربك يا إبراهيم!” ، الجميع يعلم أن منهجنا الإسلامي أفضل المناهج و أن سبيلنا خير السبل ، ولكنه الكبر و العناد و ما الكفر إلا عناد ، وصدق الله سبحانه حيث يقول “فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون” بل إن إبراهيم يتحداهم بالأمن الذي هددوه فيه  “… ..فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ، الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون”

شهوة الراحة و الدعة

كم من أدعياء الإنتماء للإسلام و الدعوة من يؤثرون الراحة و الدعة على العمل و مواصلة نشر الخير بين الناس و جلب الأنصار لهذه الدعوة المباركة ، أيظن هؤلاء أن بعض ركيعات تكفيهم ، وبعض لقاءات تشبعهم! لا و الذي فطر السماوات و الأرض! وما هذا بنهج الدعاة و الأنبياء! ألم نكثر من قراءة “فإذا فرغت (أي من نشر الدعوة بين الناس) فانصب و إلى ربك فارغب” ، أيظن هؤلاء أن نعمة الإسلام وصلتنا بكسل الدعاة و إيثارهم الراحة أم بسبب نشاطهم و حركتهم و تضحياتهم عبر العصور من جيل الصحابة حتى يومنا هذا!

كان يمكن لسيدنا إبراهيم بعدما حاجج قومه بالكلمة أن يقول : أعذرت إلى الله ، ويجلس في بيته أو يهجر قومه! لكن ما هكذا تنتصر الدعوات و لا هكذا نبحث لها عن أنصار ، إنه حب نصر دعوة الله و حب دخول الناس في دين الله. إن لوعة القلب التي تلسع الداعية كلما وجد مظهر من مظاهر المعاصي أو أحد العصاة ناهيك عن غير الموحدين يجب أن تدفعه لبذل أقصى الجهد لنصر الدعوة و الدين و إخراج الناس من النار إلى الجنة بفضل الله سبحانه. هذا ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فكر في حيلة لإقناع قومه بالتوحيد و خاطر بنفسه من أجل إنقاذ قومه ، وهذه شيم الكرام. يحطم الأصنام و يتحدى الوثنية و يستعد لتبعات ذلك! ينظر قومه للأصنام المحطمة ، من فعل هذا بآلهتنا؟ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم؟ قال سالوا كبيرهم عله يجيبكم؟ كيف نسأل من لا ينطق! فيقف القوم برهة و يرجعون لفطرتهم ، وهنا ينتصر إبراهيم ولو للحظات قبلما ترجع الغشاوة لتكسوا قلوبهم من جديد! لكنه واجب و فرضية نشر الدعوة للناس. وبعدها ينتقم قومه منه فيحرقوه في النار و ينجيه الله سبحانه. هل يقف إبراهيم و يقول أعذرت إلى الله؟ لا بل يستمر في العطاء و بعد إقامته الحجة على قومه يذهب لقرية أخرى و يحاجج النمرود ، ويعرض نفسه للهلاك مرة أخرى ، لكنها ضريبة الدعوة و ضريبة النبوة و ضريبة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر! “يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف و انه عن المنكر واصبر على ما أصابك ‘ن ذلك من عزم الأمور” فينجيه الله و ينصره ، ثم ينتقل لبلاد الشام عبر مصر لنشر التوحيد و يعود لأرض الجزيرة حيث واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم و ذلك امتثالاً لأمر الله ، ثم يرجع لفلسطين ثم يعود لأرض الجزيرة ثم يعود لفلسطين و يدفن فيها. هذه طبيعة حياة الأنبياء و كذلك الدعاة الترحال هنا و هناك بحثاً عن أنصار و دعاة و مناصرين و بحثاً عن قلوب مشتاقة لهذا النور و هذه الهداية. لذلك كان عليه السلام أمة! و كما قال الشاعر : أينما ذكر اسم الله في بلد            عددته من أرجاء أوطاني.

شهوة حب الوطن و المنشأ و المال

نظرنا كيف تغلب سيدنا إبراهيم على شهوة حب الوطن و شهوة الحنين للبقاء في بلد النشأة ، وكذلك شهوة حب المال. إن أسوأ ما يمكن أن يتعرض له الإنسان اقتلاعه عن أرضه و إبعاده عن موطنه و تجريده من بيته و ممتلكاته ، ولذلك يفكر أعداء هذه الدعوة دائماً بنفي أصحابها ، و ما من نبي إلا و أخرجه قومه. و ما من مصلح إلا و تمنى المفسدون له الهلاك ، وما من داعية إلا وله أعداء “و كذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس و الجن يوحي بعضهم إلى لبعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون”.

ترك إبراهيم كل هذه المغريات وراء ظهره بعدما مزجها بمكانة الله في قلبه ، فعلى حب الله و مكانته على ما سواه ، فانقلب الهم لفرج ، و الحزن لفرح ، والألم للذة ، و الضيق لسعة ، و الفقر لغنى. هكذا استحق إبراهيم أن يكون أمة!

و أنت يابن الإسلام و يا وريث رسول الله ، ويا من أنت تدعي أنك على ملة سيدنا إبراهيم حنيفا ، هل ما زال الوطن و المنشأ و المال يصفدك و يجعل الأغلال في يديك؟ أما زال الخوف يرعبك ! لا و ألف لا – إن كان هذا حالك – فأنت لست من زمرة القلب الواحد الموحد حق التوحيد ( فمن وجد خيراً فليحمد و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).

شهوة حب الولد

يبلغ سيدنا إبراهيم أكثر من ثمانين عاماً ، ولم يرزق بالولد بعد! إلا أن الله يشاء له بالإنجاب بعد طول الإنتظار! و يرزقه الله سيدنا إسماعيل من سيدتنا هاجر. يشتاق إبراهيم للمولود الجديد و يحنو عليه حنو كل أب مشتاق لطفل يعقبه من صلبه و بالذات بعد طول انتظار، لكن الأمر يأتيه من الله بأن يذهب بالفتى الرضيع و أمه لواد غير ذي زرع عن بيت الله المحرم. و يستجيب إبراهيم لأمر الله ، وينطلق هناك حيث لا ماء و لا كلأ و لا حياة لبشر أو حيوان ، ويترك زوجه الضعيفة و رضيعها ويعود إلى فلسطين ، و زوجه تناديه: إلى من تتركنا يا إبراهيم؟ فلا يرد عليه السلام و يمضي ثم تقول الله آلله أمرك بهذا؟ فيومأ برأسه عليه السلام ، فتقول لن يضعنا الله أبدا.

يترك إبراهيم فلذة كبده حيث لا ماء و لا طعام و لا أنس ، لكنها أوامر الخالق سبحانه ، إنها ليست قسوة قلب بل رقته ، فمن مزج مرارة أمر بلذة طاعة الله لا بد و أن تطغى لذة طاعة الله لا محالة.

ثم يعود إبراهيم لرؤية ولده ، و يشب إسماعيل و يمتلك حب قلب أبيه ، وعند هذه اللحظة يأتيه الأمر الإلاهي: “ولما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى!” أي امتحان هذا و أي اختبار هذا؟ أب يذبح وحيده بيده!  للإعراض عن أمر الله “و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”!

يطيع الولد أباه فلقد تربى في بيت النبوة من أم مؤمنة زوجة نبي ، تربى على تقديم أمر الله على كل أمر مهما كان صعبا و مهما كان ثمنه! “فلما اسلما و تله للجبين” استسلم الأب و ابنه لأمر الله فحب الله طغى على حب الولد و طغى على حب البقاء ، فكان الفرج من الله لهما و لأمة التوحيد “وناديناه أي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم”

كم من داعية أثكلته متطلبات الحياة ، وأغرته مصاريف الأولاد ، وأغواه حبهم في قلبه ، فرجع و انتكس و تخاذل و خاف و جبن ، والتفت لملذات الدنيا ، وأشغل نفسه بأمور أولاده و العيش لراحتهم و ترك الدعوة و ترك الجهاد و ترك الإيثار و الكرم! كم من داعية مسئول كانت فتنته في ولده أو قرابته فرشح منهم لمنصب لا يستحقه و وضع البعض في أماكن ليس أهلاً لها ، وخلط الحابل بالنابل و الحسن بالقبيح و ربما دلس و ظلم! و نسي أن ما عند الله خير و أبقى ، ونسي أن من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه. نسي أن هذا الإيثار لأوامر الله جعل سيدنا إبراهيم يستحق هذا الوصف انه كان أمة، (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)!

ثمرات الطاعة:

بعدما رأينا كيف استحق سيدنا إبراهيم ليكون أمة ، دعونا ننظر لبعض ثمرات الطاعة:

1-    تقديم استجابة أمر الله على كل شيء تجلب طول العمر ، اطلب الموت توهب لك الحياة :“قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ، فأرادوا له كيداً فجعلناهم الأسفلين” الصافات 97-98

2-      أن تنفيذ أمر الله بغية رضاء الله يوجب معية الله ، “فقلنا يا نار كوني برداً و سلاماً على إبراهيم”

3-   ترك إبراهيم وطنه في العراق استجابة لأمر الله و حباً في نشر الدعوة ، فأبدله الله أرضاً خيراً منها ، فلسطين “و نجيناه و لوطاً لإلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين” الأنبياء 71

4-   ترك إبراهيم وطنه استجابة لأمر الله ، أبدله الله به ولداً بعد انتظار ثمانين عاما “وقال إني ذاهب على ربي سيهدين ، رب هب لي من الصالحين ، فبشرناه بغلام حليم” الصافات 99-101

5-   استجابة إبراهيم لأمر الله و ترك الرضيع و أمه في واد غير ذي زرع ، نتج عنه خير لإبراهيم و من سار خلفه من الموحدين ، فتحولت تلك الأرض المهجورة و المقفرة لأفضل بقعة على وجه الأرض و هي البقعة الوحيدة التي تهفوا إليها أفئدة الموحدين ، وهي البقعة التي يبعث منها خير المرسلين سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم. وهي التي يكرم ساكنيها و زائريها بماء زمزم المبارك “ربنا واجعل أفئدة من الناس تهفوا إليهم”

6-   هذه الإستجابة حولت مكة من بلد مخيف و مقفر إلى بلد آمن ، به الخيرات التي لا تنضب “ربنا واجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله و اليوم الآخر” بل إن طاعة الناس لربهم تجعل فضل الله يعم الصالحين و غيرهم في الدنيا “قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره على عذاب النار و بئس المصير”.

7-   إن في طاعة أوامر الله فيها الخير و الرحمة و الرأفة و إن كان ظاهرها يوحي بالهلاك “كتب عليكم القتال و هو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئاً و هو شر لكم و الله يعلم وأنتم لا تعلمون” ، ولقد رأينا كيف أن ترك رضيع وأمه في مكة ظاهره الهلاك لكن في باطنه كان الخير و الرحمة حتى يوم القيامة ، وكذلك ذبح إبراهيم لولده إسماعيل ظاهره شر و قسوة لكن باطنه الرحمة و الرأفة لإبراهيم و للموحدين “إن هذا لهو البلاء المبين ، و فدينه بذبح عظيم ، و تركنا عليه في الآخرين ، سلم على إبراهيم ، كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين” ثم يأتي الخير المادي المحسوس “و بشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين” و زيادة على ذلك “و باركنا عليه و على إسحاق و من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين”. ومن الخير كثمرة لهذه الطاعة ، هو قول العديد من العلماء أن هذا الفداء من الله لإسماعيل رحم الله به الأمة من تقديم أولادها قرابين عند حجهم لبيت الله الحرام.

*المشرف العام – مجلة البدر

غزة – فلسطين

ذو الحجة 1431 هـ

Leave a Reply