قصة شاب في اللوبي “الإسرائيلي”…للأستاذ حسام شاكر

( مقال يُخاطب العقل الغربي) young man

فقرة مثيرة تضمنها برنامج مؤتمر “إيباك”، تم تخصيصها لشاب قُدِّم على أنه فلسطيني.. بدت للوهلة الأولى أنها إشارة تأييد للسلام والوفاق من لوبي “إسرائيل” في أمريكا، لكن لا داعي للتفاؤل، فهو شاب “فلسطيني سابقًا”، قال “إنّ “إسرائيل” على حق في كل ما تقوم به، وأنّ الانتهاكات التي يقترفها جيشها مشروعة”.. إنه خطاب لوم الضحية وتمجيد الجلاد.

تبدو القصة للوهلة الأولى مثيرة للانتباه بالفعل.. فتى فلسطيني يفارق أهله ووطنه وقضيته ويهاجم ثقافته أيضًا، ليأتي بحجج نسجتها دوائر الاحتلال الدعائية. ثم إنه نجل قيادي فلسطيني من “حماس”، وهنا تكمن الاستثنائية في القصة التي تمنحها إثارة بالغة.

وكانت عائلة الشاب مصعب، الذي ينحدر من عائلة فلسطينية معروفة بالانتماء الوطني والتضحيات عبرت عن رفضها لاعتباره أحد أفراد عائلتها، وأعلن الشيخ القيادي في حركة حماس حسن يوسف براءته من نجله مصعب الذي يحاول الاحتلال الصهيوني استغلاله بشكل دعائي هدفه النيل من عائلته، ومن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية.

فقاعة إعلامية

من يواكب الملف من بدايته، بظهور الفتى مصعب فجأة، ثم تحويل قصته الباعثة على الريبة إلى كتاب “الأمير الأخضر”، ثم يلحظ منظومة الترويج التي تم تسخيرها للكتاب، وإنتاج فيلم بالعنوان ذاته، سيجد نفسه إزاء فقاعة إعلامية جوفاء. تم تضخيم دور الشاب وتاريخه في هذا السياق بصورة ساذجة لمنح قصته الفردية أهمية فائقة.

حاولت الدعاية المؤيدة لـ”إسرائيل” تصوير “مصعب” في هيئة الفتى البريء الذي استيقظ ضميره وجاء ليقول الحقيقة.. لكنّ رحلة ذلك الشاب لم تكن يقظة ضمير، بل سقوطًا في قبضة الاستخبارات الصهيونية التي استدرجته ثم استخدمته للتجسس على مجتمعه، قبل أن تحمله إلى المنصة الدعائية حول العالم ليتحدث بنبرة الكارهين لأنفسهم.

ومن يتأمّل تجربة الفتى وتعبيراته، سينتابه الشك بشأن توازنه العاطفي واستقراره النفسي. وليست هي الحالة الأولى التي يتقمّص فيها أحد الضحايا شخصية جلاده. وهي نزعة معروفة من تجارب الحروب وأسر الجنود، حتى ترسّخ الاعتراف بها منذ تشخيص “متلازمة استوكهولم”، بعد أن انتهت واقعة اختطاف طويلة في العاصمة السويدية، وكانت المفاجأة هي تعاطف الرهائن مع خاطفيهم. كان الاختطاف في مصرف سويدي قد استغرق وقتها ستة أيام من نهاية صيف 1973، وليس عقوداً طويلة من اختطاف شعب بأسره تحت نظام احتلال يطارد الصبية وذويهم بوسائل الإخضاع المنهجي.

استدراج واسقاط

هناك ما يستحق الاهتمام في قصة هذا الفتى، وتحديدًا نظام الابتزاز والاستدراج الذي أقامته السلطات الصهيونية وأذرعها الاستخبارية لمطاردة المواطنين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والفتية، بغرض تحويلهم إلى عيون وآذان وحتى قتلة ضد مجتمعهم.. يجري الابتزاز والاستدراج بطرق متعددة، تهدف للهيمنة على المجتمع واختراق نسيجه.. يتعطّل في هذا النطاق عمل المبادئ والأخلاق والشرائع، فيتم الضغط على الحاجات النفسية والبيولوجية والمعيشية للإنسان، إلى أن يسقط الإنسان في لحظة ضعف أو حاجة، فيجري تسخيره ليتحول إلى كائن مسلوب الإرادة.

ومن يحلِّل تجربة الفتى مصعب؛ سيعثر على مداخل متعددة لواقعة الاستدراج التي تمت بحقه، دون أن يغيب عن الأنظار أنه ابن قيادي فلسطيني كان في مرمى الاستهداف الصهيوني.. وفي مجتمع يقضي فيه القادة شطر حياتهم في سجون الاحتلال، وتنهض فيه الأمهات بمهام التنشئة الشاقة لوفرة من الأبناء والبنات في واقع حافل بالضغوط؛ فإنّ المحاولات قد تنجح في استدراج فريسة ضعيفة عبر وسائل الترغيب والترهيب المدروسة بعناية.

هي طريق طويلة تتخللها إجراءات مطوّرة من تجارب الاستخدام الاستخباري وغسيل الدماغ، مع تعظيم الامتيازات التي تجعل شابًّا يجد في النهاية فرصته على منصّة تعاقب عليها الرؤساء الأمريكيون، بينما يقضي أقرانه أعمارهم في سجون كبيرة وصغيرة خلف الحواجز والأسوار والأسلاك الشائكة الصهيونية.

جريمة مجتمعية

إنّ آليات عمل الاستخبارات الصهيونية بحق الصبية والشبان وعموم الأفراد في المجتمع الفلسطيني هي ملف مذهل حقًّا، ومن حق العالم أن يتابع قصصًا مأساوية من بين ما يفعله الضباط الصهاينة وعملاؤهم بنسيج المجتمع، وكيف يمزِّقون الأواصر ويخترقون الأُسَر والأقارب والجيران، وكيف يحوِّلون أفرادًا في لحظة ضعف إلى كيانات منزوعة الضمائر ومغسولة الأدمغة لتنفيذ مهام دنيئة، وكيف يتمّ استخدام بعضهم في فظائع القتل أو التمهيد لها.

ماذا بوسع هذا الشاب أن يقول أكثر مما يتحدث به ناطقو الجيش الصهيوني؟ لقد أحضروه لتبرير الاحتلال وتسويق الحروب الصهيونية، ولتشويه الشعب الفلسطيني ومقاومته أيضًا.. لكن أي تأثير يحرزه خطاب دعائي كهذا؟ إنّ “الأمير الأخضر”، كما سمته المخابرات الصهيونية، ليس ناشط سلام، بل يندفع لتأييد الحروب والاعتداءات الصهيونية مهما جاء فيها من انتهاكات جسيمة.

تراهن الدعاية الصهيونية على قصص مثيرة بعد أن تهاوت أساطيرها وتضعضعت روايتها.. يظهر فتى كان فلسطينيًّا ليحاول أن يبدو “إسرائيليًّا” أكثر من المتحدثين الصهاينة، فكيف تبدو عقلانية هذا الخطاب ومصداقيته عندما لا يأتي على ذكر فلسطين ذاتها وحقوق شعبها المسلوبة؟.

في قصة الشاب مصعب إشارة إلى عجز الدعاية الصهيونية، التي تراهن على فتى استدرجه نظام الاحتلال للتعبير عن نصوص تم تجهيزها له، بعد عملية غسيل دماغ فعالة.

** وصلتنا الترجمة من الكاتب عبر الواتس أب، وأصل المقال باللغة الإنجليزية في (ميدل إيست مونيتور)

Leave a Reply