الصبر … خيرُ عطاءات الرب وأوسعُها

 

بدر

 

الحمد لله مانح عباده المؤمنين الصبر ومحب الصابرين، والصلاة والسلام على أصبر الصابرين وإمامهم،،،

عظيمٌ الحديث عن خُلُق الصبر، فبالحديث عنه وعن فضله تهون المصائب، وتصغر العظائم، وترتاح العقول وتسكن الجوارح، وتهدأ النفوس، وتترطب القلوب، وتلهج الألسنة بذكر الله وفضله وشكره، فالصبر نصف الإيمان، وبالصبر يدخل المسلم في معية الله (وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِين-الأنفال 46)، ويدخل فيمن يحبهم الله (وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَآل عمران 146).

فالصبر منحة ربانية يعطيها الله لمن يستحقها من عباده المؤمنين (مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ – مسلم)، بل هو خير العطاءات وأوسعها ( وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ- مسلم).

ولكن هذه المنحة تعني أنها مقترنة بمحن وابتلاءات تصيب المسلم، وهذه المحن والإبتلاءات منح في ثوب محن ليحُطُّ الله بها عن عباده الخطايا والسيئات، لأن الفرائض والطاعات ترفع الدرجات (إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْوَجَعُ لِيُكَفَّرَ عَنَّا).

وإن من عِظم خلق الصير وأهميته أن الله ذكره في تسعين موضعاً في القرآن الكريم، حيث قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها فقرنه بالصلاة كقوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} وقرنه بالأعمال الصالحة عموما كقوله {الا الذين صبروا وعملوا الصالحات} وجعله قرين التقوى كقوله {إنه من يتق ويصبر} وجعله قرين الشكر كقوله {ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وجعله قرين الحق كقوله {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وجعله قرين الرحمة كقوله {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} وجعله قرين اليقين كقوله {لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} وجعله قرين الصدق كقوله {والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات} وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن جزائه، فإن كان بعض ذلك يكفي شرفا وفضلا، فما بالنا بذلك وزيادة أضعافه!

بل إن كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر {انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، بل إن الصابرين يفوزون بعزي الدنيا والآخرة لأنهم بصبرهم نالوا معية الله {إن الله مع الصابرين}.

الصبر الصادق

إن الصبر الصادق يعطي وساماً لصاحبه كسيدنا أيوب الذي  قال الله بحقه {أنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا، وهذا يدل على أن من لم يصبر اذا ابتلى فإنه بئس العبد! فما هو يا ترى الصبر الصادق؟ كثيرٌ من الناس يظن أنه من الصابرين وليس بصابر، إن الصبر الصادق هو الذي يحتوي على معانٍ ثلاثة مجتمعة : المنع والشدة والضم، فالصابر هو الذي يمنع نفسه ويحبسها عن الشكوى إلا لله سبحانه، ويشتد في تحمل ما أصابه بحيث لا يرى ذلك منه أحدٌ من الخلق، ثم يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع، ولقد تمثل ذلك في سيدنا أيوب (عليه السلام) : (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين –الأنبياء 83)، (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب- ص، 41)، يقول ابن كثير: (( قوله عز وجل: { رَحْمَةً مِّنَّا } أي: به، على صبره وثباته وإنابته، وتواضعه واستكانته { وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: لذوي العقول؛ ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة)).

أخي الصابر الموحد لله : إن الصابر الصادق يستحق صفة (نعم العبد) لأن صبره دليلٌ على توحيد خالص لله، لأنه يعلم أن كل الأمور بيده لا بيد غيره من المخلوقات، ولذلك بشرهم الله فقال {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }البقرة/154-156.
إن الصبر الصادق هو صبر المهاجرين، كما وصفهم الله{ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً – البقرة 273}، أي ( حسبهم الـجاهل بأمرهم وحالهم أغنـياء من تعففهم عن الـمسألة وتركهم التعرّض لـما فـي أيدي الناس صبراً منهم علـى البأساء والضرّاء).

أخي الداعية المربي:

إنما وصل أولو العزم من الرسل لهذه المكانات العالية بصبرهم على أقوامهم ودعوتهم للحق بالرغم من إيذاءهم لهم، ولذلك أمر الله نبيه بالقول (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ۚ-الأحقاف43)، ولم يرض لنبيه أن يفعل فعل يونس عليه السلام (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ –القلم48)، والمربي الداعية المسلم هو في مكانة أولي العزم من الدعاة مقارنةً بغيره من الدعاة، فهذه طبيعته وهذا ما يجب أن يكون عليه، فهو كالأب الحاني، والشيخ الواعظ، والمرشد الناصح، وبذلك يتم تحصيل إمامة الناس وقدوتهم (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ– السجدة 32).

أخي الداعية المجاهد

فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، ولقد علق الله النصر بالصبر والتقوى فقال تعالى{ بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} ولهذا قال النبي: “واعلم أن النصر مع الصبر”، كما جعل سبحانه الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فمن استجن العبد من ذلك جنة أعظم منهما قال تعالى {وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا}.

بل انه سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر وهى كلمته التى سبقت لهم وهى الكلمة الحسنى وأخبر أنه انما انالهم ذلك بالصبر فقال تعالى {وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا}، كما علق سبحانه محبته بالصبر وجعلها لأهله فقال {وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}.

ختاماً

إن الصبر الصادق بحرٌ عظيم يحتاج لسباح ماهر يغوص فيه ليخرج بالدرر التي تعينه على دعوته وجهاده في سبيل الله، فالإبتلاء سنة من سنن الله في خلقه، والناس يُبتلون على قدر إيمانهم، فلا أداء للطاعات دون صبر، ولا امتناع عن المعاصي دون صبر، ولا تحمُّل لللأواء والإبتلاءات دون صبر، فإذا كان الآخرون يصبرون على الهوان والتعب والنصب لأمور دنيوية زائلة من منصب وجاه ومال وزوجة وغيرها، فالأحرى بمن أراد الآخرة وطمح لأستاذية العالم والمكانة الرفيعة بها أن يقدم أضعاف هؤلاء لأنه يختار خيري الدنيا والآخرة، ولذلك علق الله الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فالصبر بجانب التقوى والصلاة توصل للعز والتمكين كما أخبر بذلك عن نبيه يوسف الصديق: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

.هذا هو خلق الأنبياء والدعاة الصالحين والمجاهدين، فهو بحق خيرُ وأوسع عطاءات الرب

 

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*** مستل معظمه من كتاب عدة الصابرين لابن القيم

Leave a Reply