عرض كتاب: الشكوك المحيطة بمستقبل “إسرائيل”

عرض كتاب: الشكوك المحيطة بمستقبل “إسرائيل”

hلكتاب هو أحد الكتب التي تسأل متى نهاية إسرائيل

نقلاً عن موقع صفا

يتناول الكتاب مستقبل الدولة الإسرائيلية بعد مرور 63 عاماً على إنشائها، وتزايد الشكوك المستقبلية حول مدى قدرتها على الصمود في هذه المنطقة المعادية لها، مستبعداً أي خيار للتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل لعله يضع تقديراً استراتيجياً من شأنه أن يوجد المزيد من المواجهات العسكرية بين إسرائيل وجيرانها العرب، في ضوء جملة من التقديرات والاعتبارات التي تمتلئ بها صفحات الكتاب.

 يبدأ المؤلفان كتابهما بهذه التوطئة التاريخية على النحو التالي: في شهر أيار/ مايو من كل عام، يحيي الإسرائيليون يوم الاستقلال الخاص بهم، وفي الوقت ذاته يحتفي الفلسطينيون بيوم النكبة التي حلت بهم في التاريخ ذاته، وهي مفارقة سياسية قلما تحصل في تاريخ الأمم والشعوب، بحيث أن يوم 14 أيار/ مايو يعدّ يوم عيد لليهود، وفي الوقت نفسه يوم مصيبة وكارثة للعرب الفلسطينيين.

 وتزداد المفارقة كآبة وخوفاً مع عجز القيادة السياسية فيهما عن الوصول إلى تسوية سياسية، ومصالحة حقيقية بين الشعبين، وهما بذلك يستذكران مقولة المؤرخ اليهودي الشهير بنتسيون نتنياهو، والد رئيس الحكومة الحالي، حين قال: “ما دام العرب الفلسطينيون يعتبرون يوم استقلالنا يوماً لنكبتهم، فلا مجال لحلّ هذا الصراع بيننا وبينهم”!.

 بهذا الاستهلال يبدأ الكتاب مناقشة فرضية قدرة إسرائيل على الاستمرار والبقاء كدولة ذات سيادة، فيما هي على عداء مع جيرانها العرب؟ وهو ما سيضع علامات استفهام كثيرة حول المستقبل المحيط بها، والمآلات التي تنتظرها في هذه المنطقة، إذا ما تغيرت موازين القوى المادية، واختلفت التحالفات الاستراتيجية في الإقليم والعالم.  

 وعرض د. عدنان أبو عامر للكتاب باللغة العربية في تقرير خاص لمركز الزيتونية للدراسات والاستشارات.

 المخاطر الكامنة

يطرح المؤلفان جملة من التساؤلات المتعلقة بالدرجة الأولى بعنوان الكتاب، وهو مستقبل إسرائيل، ومنها: إلى متى ستبقى إسرائيل قادرة على استيعاب المخاطر الكامنة أمامها، والتي تشكل تهديداً وجودياً على بقائها في الشرق الأوسط؟ وهل سيصمد الإسرائيليون على العيش في هذه المنطقة دون الحاجة لتوقيع اتفاق سلام قابل للبقاء والاستمرارية، مع جميع جيرانها العرب؟.

 وهما بذلك يحملان الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مسؤولية

 

انتشار مظاهر الكراهية والعداء والإخفاقات الدبلوماسية مع عدد من دول المنطقة، العربية والإسلامية، مما يجعل من الوصول إلى اتفاق سلام يضمن لإسرائيل بقاءها أمراً متأخراً جداً، إن لم يكن قد ذهب إلى غير رجعة!.

 يتناول المؤلفان في صفحات الكتاب ما قالا إنه تغير “جيو-استراتيجي” في الصورة الإقليمية والمشهد العالمي، لم يكن حين قامت دولة إسرائيل قبل أكثر من 63 عاماً.

 وذلك في استبعاد واضح منهما، قد يجلب عليهما انتقادات صهيونية ويهودية عديدة، تتعلق بالشعارات الدينية الخاصة بأرض الميعاد، وهما بذلك يجريان مسحاً ميدانياً عملياتياً للتطورات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط منذ عدة سنوات، وكلها ذات صلة مباشرة بمدى قدرة إسرائيل على البقاء فيها، بل إنهما يطرحان فرضية غياب إسرائيل، واختفائها عن خارطة المنطقة، كسيناريو بات قابلاً للتطبيق، وربما أقرب من أي وقت مضى!.

 ومع ذلك، فإن مؤلفي الكتاب يعتقدان أن نشره في هذه المرحلة بالذات، يكتسب أهميته في ظلّ أن المسؤولين الإسرائيليين باتوا يتحدثون عن أمن إسرائيل، وضرورة تأمين سبل تحقيقه في مفهومه المطلق، في الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل جميع عناصر القوة العسكرية بأبعادها التقليدية وفوق التقليدية، واحتكار نووي مطلق، وسيطرتها على أراضٍ فلسطينية وسورية ولبنانية.

 ومع ذلك فإن المؤلفين ركزا حديثهما في صفحات الكتاب حول طرح السؤال الذي بات يهدد صناع القرار في تل أبيب وهو: كيف سيتسنى لإسرائيل البقاء؟ مما يعني أن هذا الأمر المتعلق بمستقبل إسرائيل أصبح لأول مرة موضع تساؤل داخلها وخارجها في الدوائر الحاكمة والداعمة لها على حدٍّ سواء، فكيف يتسنى ذلك، وما هي الأسباب التي جعلت هذا الأمر موضع مخاوف وقلق من قبل مسؤولي إسرائيل ومفكريها؟.

 ويضيفان: الكثير من اليهود يعتقدون أن مستقبل إسرائيل ومكانها في الشرق الأوسط بات مهدداً الآن كما لم يكن لعدة أجيال، فهل ستبقى الدولة اليهودية على قيد الحياة؟ وبأي ثمن؟ وبأي هوية؟ وهل يمكنها أبداً أن تعرف السلام؟ وهي أسئلة تبقى دون أن يقدم المؤلفان إجابة شافية واضحة صريحة، لكن طيات الكتاب وفصوله العديدة تغلب عليها صفة اليأس والإحباط، خشية أن يكون الوقت قد فات، خاصة وأن الثقة بإمكانية بقاء إسرائيل باتت ضعيفة جداً.

 ويحاول الكتاب الإجابة عن حلّ للمعضلة القائمة على التناقض بين قوة آلة إسرائيل العسكرية من جهة، والمخاوف على مستقبلها من جهة أخرى، فيقول: في حين أن الآلة العسكرية نفسها أقوى من أي وقت مضى، فإن بين الإسرائيليين نفسيات أكثر عرضة للسقوط من أي وقت مضى منذ الخمسينيات، وباتت قدرة إسرائيل النووية عديمة الفائدة ضدّ الدول المجاورة لها.

 كابوس التآكل

يحفل الكتاب بما يسميها سيناريوهات تنتظر مستقبل إسرائيل، تستند في معظمها إلى ما وصلت إليه مراكز أبحاث إسرائيلية وأخرى غربية موالية لإسرائيل، مكلفة من حكوماتها وإداراتها السياسية، معتبرًا أن العقدين القادمين يحملان لإسرائيل ما أطلقا عليه “كابوساً”، حافلاً بالأخطار المحدقة، كونه مركب من مجموعة عناصر، كالجاليات اليهودية والقوة الاقتصادية والسياسية، ومكانة إسرائيل، وقوة جيشها، وهو ما يجعلها تتعرض لأخطار مختلفة ومحددة.

 ويحاول المؤلفان أن يفصِّلا في بعض مظاهر مستقبل إسرائيل الغامض في المنطقة العربية، من خلال تعرض الكتل السكانية اليهودية في أنحاء العالم لهجمات “كارثية” متواصلة، مما سيقلص الكتلة الديموغرافية اليهودية في العالم، وتدهور فظيع يتعلق بمسألة الهوية اليهودية، وانخفاض أعداد الأطفال الحاصلين على تعليم ديني يهودي، وتعاظم التعاون المتوقع بين الدول الإسلامية المعادية التي تمتلك قدرات تكنولوجية، مما سيؤدي لامتلاك ثلاث دول منها على الأقل لقنبلة نووية، بشكل يزيد من خطر القضاء تماماً على كتل سكانية يهودية بكاملها، فضلاً عن تراجع تأثير الطوائف اليهودية على مستوى العالم، لا سيما في الولايات المتحدة.

 وبالرغم من أن المجال لا يسمح باستعراض كافة الظواهر التي تشكل قلقاً لمؤلفي الكتاب، وتعتبر بنظرهما شواهد كافية للخوف على مستقبل إسرائيل، لكن تحولها إلى دولة “خاوية” نتيجة تزايد معدلات الهجرة العكسية، وهروب العقول البشرية الجيدة منها، سيؤدي إلى تراجع مستواها العلمي والتكنولوجي، إلى جانب تزايد قضايا الفساد، وقلة الخبرة في القيادات اليهودية الحاكمة، بعد أزمة يعاني منها النظام السياسي الإسرائيلي منذ سنوات تعرف بـ”غياب جيل التأسيس”.

 فرضية الزوال

ومع ذلك، يستدرك المؤلفان بالقول: في ضوء الطبيعة الدينية لإسرائيل، تبرز هناك عدم إمكانية للتنبؤ بمستقبلها السياسي من خلال أدوات التحليل العلمي المستقبلي وأساليبه، التي تسمح بتقديم صورة حقيقية لحدود وآفاق المستقبل المتوقّع، الأمر الذي يجعل وضع تقدير موقف حول مكانة إسرائيل في المنطقة، مسألة تتَّسم بالغموض، وتستعصي على التحليل العلمي، ومن ثم يصعب تشكيلها، أو تخطيطها، أو التحكّم في تطورها.

 لكن المؤلفان يحاولان من خلال الكتاب، الذي أحدث ضجة في الأوساط الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، أن يضعا جملة من المعايير السياسية التي تسمح بالتنبؤ بتحقق الفرضية المرعبة الخاصة بزوال إسرائيل على المدى البعيد، ووضع تساؤلات حول مستقبلها على المدى القريب.

 ومنها: قوة الاتجاهات العلمانية داخلها، وعمليات الهجرة المضادة خارجها، واختلال الكمّ السكاني لصالح العرب، والانحلال الاجتماعي، والأوضاع الاقتصادية، وكل ذلك على المستوى الداخلي. أما على المستوى الإقليمي، فقد أشار المؤلفان إلى مجموعة من المتغيرات: كافتقاد إسرائيل لمساندة بعض الدول كتركيا، وإيران، وتغيّر بعض القيادات العربية، وتنامي مشاعر العداء ضدّ السلوك الإسرائيلي، والتغيرات في الساحة العربية، والتكتلات السياسية والاقتصادية التي تجسّد الاتجاه نحو التجانس الإقليمي.

  دولة النموذج

في محاولة منهما لوضع توصيات مهمة لصناع القرار الإسرائيلي، حتى لا تصل إسرائيل إلى منتهاها في هذه المنطقة، يطالب المؤلفان باتخاذ سلسلة من الخطوات الاستباقية، داخلياً وخارجياً، ومنها: ضرورة التوصل إلى اتفاق سلام شامل في الشرق الأوسط، وتخلي إيران عن برنامجها النووي، والاهتمام بتنامي قوة إسرائيل العسكرية، وازدهار إمكانياتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وفرض الهوية اليهودية على جيل الشباب.

 بالإضافة للعمل على رقي وضع إسرائيل في مجال التطوير الإنساني والبشري، بتدشين مشروع عالمي لليهود، يتضمن مجموعة من المشاريع التي تحسن من أوضاعهم على مستوى العالم، والاستثمار في مجال تحسين وضع إسرائيل العالمي، طمعاً في تحويلها إلى ما يسمى في العلوم الحديثة اليوم بـ”دولة النموذج” على مستوى العالم، والعمل على تهيئة ظروف حياتية أفضل لليهود فيها، وإيجاد صور ومجالات أخرى من التعاون المشترك مع الجاليات اليهودية القائمة على المبادرات المشتركة، بما في ذلك إقامة أكاديمية لتخريج زعامات يهودية مستقبلية.

 

خبرة ضليعة ومعرفة واسعة

الكتاب الذي بين أيدينا ليس الأول من نوعه الذي يتناول هذه القضية الحساسة، والمعضلة التي باتت تؤرق صناع القرار في إسرائيل وخارجها، فقد صدرت وثائق سياسية ومذكرات بحثية وأوراق عمل لمناقشتها، بل شهدت الساحتان: السياسية والأكاديمية في إسرائيل عقد مؤتمرات وأيام دراسية في السنوات الأخيرة للبحث في المآلات التي تنتظر إسرائيل في المنطقة.

 ومع ذلك، فإن الكتاب الذي بين أيدينا، والصادر لتوه في إسرائيل، يكتسب أهميته الجادة من كون مؤلفيه مهتمان بالصراع العربي الإسرائيلي، وقد عملا خلال السنوات السابقة فيما بات يسمى “الدراسات الاستشرافية” في الجامعات الأوروبية والأمريكية، ويحاضران فيها منذ عقود، فالمؤلف الأول باركوفيتش حاصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة الكاثوليكية في مدينة لوبان البلجيكية، وعمل خلال العشر سنوات الماضية محرراً رئيسياً للدورية السنوية المعروفة باسم Regards، وتركز أبحاثه ودراساته الأخيرة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومآلاته المستقبلية.

 فيما يعتبر المؤلف الثاني لاوف من خريج الجامعات الأمريكية والأوروبية، وعمل فترة طويلة في معهد كارنيغي لأبحاث السلام والصراعات الدولية.

 

Leave a Reply