المشرف العام يكتب : الأول من يناير…ذكرى انطلاقة فتح لا الثورة الفلسطينية

 

الأول من يناير…ذكرى انطلاقة فتح لا الثورة الفلسطينية..

بقلم : م. بدر الدين حمدي مدوخ
   
تم نشره لأول مرة في 01/01/2008

اعتادت فصائل منظمة التحرير أن تحتفل في بداية كل عام بما تقول عنه بأنه عيد انطلاق الثورة الفلسطينية. وأصبح ذلك عرفاً بين فصائل المنظمة. فبالرجوع إلى سبب اختيار هذا التاريخ، الكل يعرف أنها تعود لإعلان حركة فتح عن نفسها في الأول من يناير للعام 1965 متزامنة مع الإعلان عن العملية الفدائية و الجهادية الأولى التي تعلن عنها و تتبناها حركة فتح وهي عملية نفق عيلبون، حيث أن بيان القيادة العامة لقوات العاصفة قد صدر في هذا التاريخ أن قوات فتح الضاربة قامت في ليلة الجمعة 13/12/1964 بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة، وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة، على حسب البيان.  وتقول المصادر أن أحد المشتركي في العملية الفدائية وهو أحمد موسى قد استشهد في طريق العودة بعد تنفيذ العملية على أيدي دورية أردنية.

وتتابعت عمليات حركة فتح الفدائية، وهذا ما لم و لن ينكره أحد، لكن، ماذا عن العمل الفلسطيني المسلح و عن الثورة الفلسطينية و منظمة التحرير قبل هذا التاريخ؟

لقد أثبتت الأحداث التاريخية شراسة العربي والمسلم في الدفاع عن أرضه و مقدساته، ولم يكن الفلسطيني بدعاً من الأحداث، بل ربما كان أشرس المقاومين و المضحين، لأن أرضه أرض فلسطين هي الأقدس و هي الأهم، ولأن فلسطين عبر حقب التاريخ المختلفة كانت محطةً لمعارك فاصلة حسمت الناظم و المسيطر على المنطقة في كل حقبة و في كل عصر.

فالثورة الفلسطينية لم تكن وليدة الأول من يناير 1965، بل إن ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية كان قبل احتلال الإنجليز لفلسطين عام 1918. فالشعب الفلسطيني هب قبل ذلك التاريخ مندداً بالعديد من السياسات التي تنتقص الحقوق الوطنية الفلسطينية، فلقد خرج الشعب مندداً بوعد بلفور المشئوم، ثم كانت الثورات العديدة في عهد الإنتداب الإنجليزي، فكانت هبة سنة 1919 ثم كانت الثورة اللاهبة في القدس عام 1920م، ثم ثورة يافا عام 1920 و التي استشهد فيها أكثر من أربعين فلسطينياً و قتل أكثر من أربعين يهودياً ايضاً واستمرت أسبوعين، ثم ثورة البراق والتي وقعت بين العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض، وبين المستوطنين اليهود والتي نتج عنها قتل خمسة من اليهود  وجرح أكثر من 200 يهودي، كان ذلك في شهر آذار عام 1929م و التي أعدم الإنجليز على أثرها الشهداء عطا الزير و محمد جمجوم و فؤاد حجازي، ثم ثورة القسام عام 1935م، ثم الإضراب الشهير و ا لذي امتد إلى 183 يوما، و تلا ذلك هبات وثورات عديدة قام بها الشعب الفلسطيني ضد أعدائه، وكان لقوافل الإخوان التي جاءت لتحرر فلسطين صدىً مرعباً، جعل الإنجليز يأمرون الحكومة المصرية باعتقالهم و زجهم في السجون، بدلاً من الإفتخار بهم حيث كانوا يرعبون اليهود و الإنجليز. فأبو جهاد (خليل الوزير) هو من نتاج المدرسة العسكرية الإخوانية حيث دربه المسؤول العسكري لتنظيم الإخوان في غزة الشهيد كمال عدوان، بل إن فكرة الثورة و العمل المسلح ضد العدو واعداد النفوس التواقة للتضحيات كانت المدرسة الإخوانية أحد أهم المحاضن لها، بجانب المحاضن القومية و اليسارية والتي سبقت المحضن الفتحاوي.

إن سردنا و تذكيرنا بهذه الأحداث و غيرها إنما يأتي في سياق توضيح الجرم الكبير الذي نرتكبه – نحن كفلسطينيين- عندما نختصر ثورتنا الفلسطينية بانطلاقة فصيل فلسطيني بعينه أياً كان هذا الفصيل. لقد قدم الشعب الفلسطيني من جميع شرائحه العشرات بل المئات من الشهداء و الجرحى قبل عام 1965، وعرف الثورات و الأحزاب و الحركات و التنظيمات قبل انطلاقة حركة فتح – على الأقل- بثلاث و عشرين سنة من التفكير بإنشاء حركة فتح عام 1957م، حيث تأسس حزب الدفاع الوطني و الحزب العربي الفلسطيني عام 1934م. بل إن المؤتمرات الوطنية و القومية عقدت قبل ذلك بعقود، فقد عقد المؤتمر القومي الأول في القدس عام 1919م، وقد أصدر هذا المؤتمر ميثاقاً نص على ما يلي: أ. رفض وعد بلفور والهجرة الصهيونية والانتداب الانجليزي. ب. اعتبار فلسطين جزءاً من سورية، وتسميتها سورية الجنوبية والمطالبة بوحدة سورية الكبرى. ج. استقلال فلسطين التام ضمن الوحدة العربية .  ثم كان المؤتمر النسائي الأول في القدس عام 1929م لتأييد المطالب الوطنية ورفض الانتداب، ثم تلاه العديد من المؤتمرات و اللقاءات ال شعبية المنددة بالإنجليز و باليهود.

إن الإدعاء بأن الثورة الفلسطينية انطلقت في الأول من يناير عام 1965 يمثل تقزيماً للنضال الفلسطيني و يعمل على حصره في فئة معينة و اختزاله في فصيل دون غيره، وهذا يعكس ثقافة هذا التنظيم المبنية على تجاهل الغير أو احتواء الآخرين و تهميش دورهم و تقزيم تضحياتهم، وهو الأسلوب الذي انتهجته حركة فتح وما زالت تنتهجه، بل إن سيطرة حركة فتح على منظمة التحرير كان مبنياً على اتهامات نسجتها بطريقة ذكية لإسقاط أحمد الشقيري، كأول رئيس لمنظمة التحرير، ولتسيطر هي على المنظمة بعدما خافت على وجودها من تنامي قوة جيش التحرير التابع للمنظمة وانضمام أغلب الشباب له، مما اضطرها للدخول في المنظمة للسيطرة عليها في الرابع من شباط عام 1969، أي بعد خمس سنوات من تأسيس المنظمة في 28\05\1964 عشية انعقاد المؤتمر الفلسطيني الأول في مدينة القدس.

الغريب في الأمر أن الذين سبقوا حركة فتح في النضال و التضحيات من القوميين و اليسار رضوا بأن يكونوا على الهامش، وأن يبقوا ورقة تحركها فتح، وصدقوا بالتعددية الزائفة التي تدعيها المنظمة و بما كان يسمى بديمقراطية البنادق! و التي يعلن اسمها زيفها، حيث لا ديمقراطية مع بندقية. أما من أراد أن يخرج عن طور حركة فتح فكان مصيره التهميش و الحرمان و ربما الاستئصال أحياناً.

لقد تفننت حركة فتح في استخدام مصطلحات رنانة تحاول نشرها ضمن المكينة الإعلامية الخاصة بها و المنتشرة بين الشعب. فمن مصطلح :فتح أول الرصاص..وأول الحجارة، أو فتح رائدة الكفاح المسلح، أو فتح أم الجماهير، أو أن انطلاقة حركة فتح هو بمثابة انطلاقة الثورة الفلسطينية، وغير ذلك من المصطلحات التي تربى عليها أبناء فتح، فأضرتهم من ناحيتين: الأولى أنهم عاشوا في أوهام العظمة و التأييد الواسع فكان الكبر و ازدراء الآخرين، مما أدى بها أحياناً لتتصادم مع العديد من الأنظمة العربية و مع بعض فصائل المنظمة نفسها و الفصائل العاملة خارج إطار المنظمة أيضا، وهو ما جعلها أيضاً تتهاوى سريعاً أمام الحقائق، أما الثانية فلقد تحالفت مع العدو ملتمسةًً طريقا تظن أنها يبقيها على ما بنته من أوهام.

لا ينبغي لنا أن نختزل تاريخ الشعب الفلسطيني و من خلفه شهداء العرب و المسلمين في تاريخ فصيل أو منظمة، فالأول من يناير هو تاريخ إعلان فتح عن نفسها، لكنه ليس بحال من الأحوال تاريخ انطلاق الثورة الفلسطينية. لقد آن الأوان للرجوع للحقائق في زمن رضي البعض أن يعيش فيه على أوهام و وعود أضرت بالقضية الفلسطينية و بالشعب الفلسطيني و بالأمة بأسرها.ً

Freelance Web Developer

Leave a Reply